إذا افترّ وهب خلته برق عارض * تبعّق « 1 » في الأرضين أسعده السّكب
وما ضرّ وهبا ذمّ من خالف الملا * كما لا يضر البدر ينبحه الكلب
لكل أناس من أبيهم ذخيرة * وذخر بني وهب عقيد النّدى وهب « 2 »
فاستهل أبو البختري ضاحكا ، وسرّ سرورا كبيرا ، ودعا عونا له ، فأسرّ إليه فأتاه بصرة فيها خمسمائة دينار ، فدفعها إليه .
قال عثمان « 3 » : لا واللّه ما حضرت أبا البختري ، ولا خبّرني من حضره غيري يعطي شيئا إلا أتبع عطاءه عذرا إلى صاحبه ، وتهلّل عند طلب الحاجة إليه ، حتى لو يرى حاله غير عارف به لقال هو الّذي قضيت حاجته .
أخبرني أبو طاهر الزّبير بن محمّد بن عبد اللّه بن عثمان بن عروة بن الزبير بن أخي مصعب بن عثمان ، وقال لي : رأيت عمي مصعب بن عثمان ، وعمّتي أم كلثوم بنت عثمان بن مصعب ؛ قال أبو طاهر : وقف رجل من ولد عبد الرحمن بن هبّار على أبي البختري وهب بن وهب فقال :
أوخّر وهبا للحساب لعله * إذا كان يوم الحشر يغفر لي ذنبي
وأملته تأميل راج مكذّب * وهل يغفر الذنب العظيم سوى ربي
قال أبو البختري : اقعد ، وأمر له بمائتي دينار ، وخلعة ؛ فلما قام قال أبو البختري : إنه ابن الذي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « شر الناس من اتّقي لشرّه » « 4 » يعني عبد الرحمن بن هبّار .
هامش
- وذكر لهذه القصيدة قصة في أخبار أبي دلف ، ومفاخرة واحد من ولده مع واحد من ولد أبي البختري .
( 1 ) بعق الوابل الأرض بعاقا ، والبعاق السيل الدفاع .
( 2 ) الأبيات للعطوي الشاعر : أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرّحمن بن عطية كما في وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمة أبي البختري وهب بن وهب .
( 3 ) عثمان : أي ابن نهيك كما في تاريخ بغداد .
( 4 ) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة عن أنس بلفظ : شر الناس منزلة يوم القيامة من يخاف لسانه ، أو يخاف شره .
ورواه الطبراني في الأوسط عن أنس ، وصححه بلفظ : أن رجلا أقبل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأثنوا عليه شرا ، فرحب به ، فلما قام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن شر الناس منزلة عند اللّه يوم القيامة من يخاف الناس من شره » . قال الهيثمي فيه ابن مطر ضعيف جدا ، وقال البخاري عنه : منكر الحديث .
وروي الحديث عن عائشة بلفظ : استأذن رجل - وهو عيينة بن حصن - على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه قال :
بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة ، فلما جلس انبسط له ، فلما انطلق سألته عائشة ؛ فقال : « إن شر الناس منزلة عند اللّه يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه » . رواه أبو داود ، والبيهقي ، والترمذي عن عائشة .
ومن اللطيف في شرح الحديث ما قاله المناوي في شرحه على الجامع الصغير : وهذا أصل في ندب المداراة إذا ترتب عليها دفع ضر أو جلب نفع ؛ بخلاف المداهنة فحرام مطلقا ، إذ هي بذل الدين لصلاح الدنيا ، والمداراة بذل الدنيا لصلاح دين أو دنيا ، كرفق بجاهل في تعليم ، وبفاسق في نهي عن منكر إن ترتب عليه -