تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11541

مساهمون:

ص١١٥٤١
فقولهم { مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ . . . } [ الروم : 55 ] أي : الساعة الزمنية التي نعرفها ، والزمن له مقاييس : ثانية ، ودقيقة ، وساعة ، ويوم ، وأسبوع ، وشهر ، وسنة ، وقرن ، ودهر ، وهم يقصدون الساعة الزمنية المعروفة لنا . إذن : فهم يُقلِّلون مدة مُكْثهم في الدنيا أو في القبور لما فاجأتهم القيامة ، وقد أخبرناهم وهم في سَعَة الدنيا أن متاع الدنيا قليل ، وأنها قصيرة وإلى زوال ، فلم يُصدّقوا والآن يقولون : إنها كانت مجرد ساعة ، ولم يقولوا حتى شهر أو سنة ، فكيف تستقل ما سبق أن استكثرته ، وظننتَ أنك خالد فيه حتى قلتَ { مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر . . . } [ الجاثية : 24 ] . ففي الدنيا كذَّبتم وأنكرتم ، ولم تستجيبوا لداعي الإيمان ، أما الآن في الآخرة فسوف تستجيبون استجابة مصحوبة بحمده تعالى ، كما قال سبحانه : { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ . . . } [ الإسراء : 52 ] أي : تقولون الحمد لله والإنسان لا يحمد إلا على شيء محبوب . ثم يقول سبحانه : { كَذَلِكَ . . . } [ الروم : 55 ] أي : كهذا الكذب { كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } [ الروم : 55 ] والإفك من أَفك إفكاً ، أي : صرف الشيء عن وجهه ؛ لذلك سُمِّي الكذب إفكاً ؛ لأن الكاذب يخبر بقضية تخالف الواقع ، فيأتي بها على غير وجهها ، أو يُوجِدها وهي غير موجودة ، أو ينكر وجودها . ومنه قوله تعالى : { والمؤتفكة أهوى } [ النجم : 53 ] وهي القرى التي قلبها الله ، فجعل عاليها سافلها . فقوله { كَذَلِكَ . . . } [ الروم : 55 ] أي : كهذا الإفك كانوا يُؤْفكون ، يعني : يكذِّبون الرسل في الحقائق التي جاءوا بها من قِبلَ ربهم .