المؤمنين } [ القصص : 47 ] فلو عذَّبهم الله دون أن يرسل إليهم رسولاً لكانت حجة لهم .
وسبق أنْ قُلْنا : إنه لا عقوبة إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنصٍّ ولا نصَّ إلا بإعلام ، لذلك تُنشر الأحكام في الوقائع الرسمية ليعرفها الجميع ، فتلزمهم الحجة ، ولا يُعْذَر أحد بالجهل بالقانون ، ولا يُعفى من العقاب .
إذن : قطع الله عليهم الحجة ، حين بعث إليهم رسول الله بمنهج الحق الذي يدلهم على الخير والثواب عليه في الجنة ، ويحذرهم من الشر والعقاب عليه في النار { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل . . . } [ النساء : 165 ] .
إذن : الحكمة من إرسال الرسول إقامة الحجة على المرسَل إليهم مجرد إقامة الحجة ؛ لأن قضايا الدين قضايا حقٍّ فطري يهتدي إليها العقل السليم بفطرته ؛ لذلك وقف المستشرقون طويلاً عند شخصية عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - .
يقولون : تذكرون عمر في كل شيء : في العدل تقولون عمر ، وفي القوة تقولون عمر ، وفي وجود رسول الله تقولون نزل القرآن موافقاً لكلام عمر ، أليس عندكم إلا عمر ؟
وكأن الحق - تبارك وتعالى - يدلُّنا بشخصية عمر إلى أنه سبحانه لم يُكلِّفنا بقضايا تنفر منها الفطرة ، إنما بقضايا تقبلها فطرتنا السليمة ، وتهتدي إليها بطبيعتها السوية الخالية من الهوى ، وهذا عمر لم يكُنْ نبياً ولا رسولاً ، لكن كان يصل إلى الحق بما فيه من فطرة إيمانية وعقلية سالمة من الأهواء ، حتى وصلت به الفطرة السليمة إلى أنْ ينطق القرآن بنفس ما نطق به .
تفسير الشعراوي — صفحة 10946
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٤٦