أي يعطي عبده رغم ما كان منه من جحود وكفر بالنعمة ؛ لأن نعمه تعالى كثيرة لا تُعَدُّ ، وهذا من حِلمه تعالى ورأفته بخَلْقه .
لذلك لما نتأمل قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] وقد تكررت هذه العبارة بنصِّها في آيتين من كتاب الله ، مما جعل البعض يرى فيها تكراراً لا فائدة منه ، لكن لو نظرنا إلى عَجُز كل منهما لوجدناه مختلفاً .
فالأولى تُختتم بقوله تعالى : { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] والأخرى : { إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ النحل : 18 ] .
إذن : فهما متكاملتان ، لكلٍّ منهما معناها الخاص ، فالأولى تبين ظلم الإنسان حين يكفر بنعمة الله عليه ويجحدها ، وتضيف الأخرى أن الله تعالى مع ذلك غفور لعبده رحيم به .
كما نلحظ في الآية : { وَإِن تَعُدُّواْ } [ إبراهيم : 34 ] استخدم ( إنْ ) الدالة على الشك ؛ لأن أحداً لا يجرؤ على عَدِّ نِعَم الله في الكون ، فهي فوق الحصر ؛ لذلك لم يُقْدِم على هذه المسألة أحد ، مع أنهم بوسائلهم الحديثة أحصُوا كل شيء إلا نعم الله لم يتصَدَّ لأحصائها أحد في معهد أو جامعة ممن تخصصت في الإحصاء .
وهذا دليل على أنها مقطوع بالعجز عنها ، كما لم نجد مثلاً مَنْ تصدّى لإحصاء عدد الرمل في الصحراء . كما نقف عند قوله سبحانه : { نِعْمَتَ الله } [ إبراهيم : 34 ] ولم يقُلْ : نِعَم الله ، فالعجز عن الإحصاء أمام نعمة واحدة ؛ لأن تحتها نِعَم كثيرة لو تتبعتها لوجدتها فوق الحصر .
ثم لما جاءته بلقيس أراد أن يُجري لها اختبارَ عقلٍ ، واختبارَ إيمان :
تفسير الشعراوي — صفحة 10788
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٧٨٨