وعندها فهم سليمان أنها على قَدْر كبير من الذكاء والفِطْنة وحصافة الرأي .
وكذلك كلام السَّاسَة والدبلوماسيين تجده كلاماً يصلح لكل الاحتمالات ولأيِّ واقع بعده ، فإذا جاء الأمر على خلاف ما قال لك يسبقك بالقول : ألم أَقُلْ لك كذا وكذا .
ومن ذلك ما قاله معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس : يا أحنف لماذا لا تسبّ علياً على المنبر كما يسبّه الناس ؟ فقال الأحنف : اعفني يا أمير المؤمنين ، فقال معاوية : عزمتُ عليك إلاَّ فعلْتَ ، فقال : أما وقد عزمت عليَّ فسأصعد المنبر ، ولكني سأقول للناس : إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أنْ ألعنَ علياً ، فقولوا معي : لعنه الله . عندها قال معاوية : لا يا أحنفُ ، لا تقل شيئاً .
لماذا ؟ لأن اللعن في هذه الحالة سيعود على مَنْ ؟ على معاوية أو عَلَى عَلِيّ ؟
وتُحكَي قصة الخيّاط الأعور الذي خاط لأحد الشعراء جُبَّة فجاءت وأَحَد الكُمَّيْن أطول من الآخر ، فلم يستطع لبسها ، فلما سألوه عن عدم لُبْس الجبة الجديدة أخبرهم بما حدث من الخياط فقالوا : أُهْجه ، فقال :
قُلْت شِعْراً لَيْس يُدْرَى . . . أَمديحٌ أَمْ هِجَاءُ
خَاطَ لِي عَمْروا قُباء . . . لَيْتَ عينيه سَوَاءُ
فالكلام يحتمل المعنيين : الدعاء له ، والدعاء عليه . هذا هو الرد الدبلوماسي الذي يهرب به صاحبه من المواجهة .
تفسير الشعراوي — صفحة 10790
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٧٩٠