وفي الحديث القدسي : « . . . فعلت ليقال وقد قيل . . . » .
فعلتَ ليُقام لك حفل تكريم وقد أقيم لك ، فعلتَ لتأخذ نيشاناً وقد أخذتَه ، فعلتَ ليُكتب اسمك على باب المسجد وقد كُتِب ، إذن : انتهت المسألة .
فقوله تعالى : { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } [ الشعراء : 88 ] لا ينفي نفع المال والبنين ، فهي نافعة شريطة أنْ تأتي اللهَ بقلب سليم ، والسلامة هنا تعني : أن يظلَ الشيء على حاله وعلى صلاحه الذي خلقه الله عليه لا يصيبه عطب في ذاته ، فيؤدي مهمته كما ينبغي .
فكأن السلامة تُوجد أولاً ، ونحن الذين نُفسِد هذه السلامة .
ومن ذلك قوله تعالى :
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } [ البقرة : 1112 ] .
لذلك لو تأمّل الناس فيما يُتعبهم في الحياة لوجدوا أنه ثمرة إفسادهم في الكون المنظم الذي خلقه الله على مقتضى حكمته تعالى ، بدليل أن كل حركة في الكون لا يتدخل فيها الإنسان تراها مُستقيمة منتظمة لا تتخلف ، فإنْ تدخَّل الإنسان وُجِد الفساد ووُجِد الظلم للغير ، حتى للنبات وللجماد وللحيوان ، وقد نهانا الشارع الحكيم عن هذا كله .
هذا إنْ تدخّل الإنسان في الكون على غير مقتضى منهج ربه ، فإنْ تدخَّل على هَدْى من منهج الله استقامتْ الأمور وتحققتْ السلامة .
تفسير الشعراوي — صفحة 10604
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٦٠٤