فالعصا في نظر موسى عليه السلام عود من الخشب قريب عهد بأصله ، كغصن في شجرة ، لكنها عند الله لها قصة أخرى : { قَالَ أَلْقِهَا يا موسى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى } [ طه : 1920 ] .
وما صارت العصا عصاً إلا بعد أنْ قُطِعت من شجرتها ، وفقدت الحياة النباتية ، وتحولت إلى جماد ، فلو عادت إلى أصلها وصارت شجرةً من جديد لكان الأمر معقولاً ، لكنها تجاوزتْ مرتبة النباتية ، وتحولت إلى الحيوانية ، وهي المرتبة الأعلى ؛ لذلك فزع منها موسى وخاف فطمأنه ربه :
{ قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى } [ طه : 21 ] .
وكانت هذه المرة بمثابة تدريب لموسى عليه السلام ؛ ليألف العصا على هذه الحالة ، وكأن الله تعالى أراد لموسى أنْ يُجري هذه التجربة أمامه ، ليكون على ثقة من صِدْق هذه الآية ، فإذا ما جاء لقاء فرعون ألقاها دون خوف ، وهو واثق من نجاحه في هذه الجولة .
إذن : كان الإلقاء الثاني للعصا أمام فرعون وخاصته ، ثم كان الإلقاء للمرة الثالثة أمام السحرة .
ومعنى { ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [ الشعراء : 32 ] يعني : بيِّن الثعبانية ، فيه حياة وحركة ، وقال { ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [ الشعراء : 32 ] يعني : واضح للجميع ؛ لأنهم كانوا يجيدون هذه المسألة ويُخيِّلون للناس مثل هذه الأشياء ، ويجعلونها تسعى وتتحرك ، ولم تكن عصا موسى كذلك ، إنما كانت ثعباناً مبيناً واضحاً وحقيقياً لا يشكّ في حقيقته أحد .
والمتتبع للقطات المختلفة لهذه الحادثة في القرآن الكريم يجد
تفسير الشعراوي — صفحة 10561
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٥٦١