إذن : لا تستطيع أن تهتدي إلى مواضع قدمك ، وتأخذ خير الأشياء ، وتتجنب شرها إلا بالنور الحسيِّ ، كذلك إنْ سِرْت في ظُلْمة وعلى غير هُدىً ، فلا بُدَّ أن تصطدم بأقوى منك فيحطمك ، أو بأضعف منك فتحطمه .
لذلك سمَّى الحق - تبارك وتعالى - المنهج الذي يهديك في دروب الحياة نوراً .
والناس حين لا يوجد النور الرباني الإلهي يصنعون لأنفسهم أنواراً على قَدْر إمكاناتهم وبيئاتهم بداية من المسرجة ولمبة الجاز ، وكان الناس يتفاوتون حتى في هذه - حتى عصر الكهرباء والفلوروسنت والنيون وخلافة من وسائل الإضاءة التي يتفاوت فيها الناس تفاوتاً كبيراً ، هذا في الليل ، فإذا ما أشرقتْ الشمس أطفأ الجميع أنوارهم ومصابيحهم ، لماذا ؟ لأن مصباح الله قد ظهر واستوى فيه الجميع لا يتميز فيه أحد عن أحد .
وكذلك النور المعنوي نور المنهج الذي يهديك إنْ كان لله فيه توجيه ، فأطفيء مصابيح توجيه البشر لا يصح أن تستضيء بنور ونورُ ربك موجود ، بل عليك أن تبادر وتأخذ ما تقدر عليه من نور ربك ، فكما أخذتَ نور الله الحسيّ فألغيتَ به كل الأنوار ، فخُذْ نور الله في القيم ، خُذْ نُور الله في الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك يغنيك هذا عن أيِّ نور من أنوار البشر ومناهجهم .
أَلاَ ترى النمرود كيف بُهِتَ حينما قطع عليه إبراهيم - عليه السلام - جدله وألجأه إلى الحجة التي لا يستطيع الفكاك منها ، حين قال له : { فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب . . } [ البقرة : 258 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 10185
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٨٥