تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10184

مساهمون:

ص١٠١٨٤
ترى المرئيات ، بدليل أنها إنْ كانت في ظلمة لا تراها . إذن : فالنور لا يُرَى ، ولكن نرى به الأشياء ، فالله تعالى نور السماوات والأرض يُنوِّرهما لنا ، لكن لا نراه سبحانه . لكن ، هل كل الأشياء مرائي ؟ أليس منها المسموع والمشموم والمتذوّق ؟ قالوا : نعم ، لكن الدليل الأول على كل هذه وفعل الحوادث هي المرئيات ؟ لأن كل أدلة الكون مرئية نراها أولاً ، ثم حين تسمع ، وحين تشم ، وحين تلمس ، وحين تميز الثقيل من الخفيف ، أو القريب من البعيد . فهذا كله فرع ما يوجد فيك ، بعد ما تؤمن أن الله الذي أوجدك هو الذي أوجد لك كل شيء ، فإذا ما نظرت إلى النور وجدتَ النور أمراً حسياً ترى به الأشياء . وكانوا في الماضي يعتقدون أن الإنسان يبصر الأشياء بشعاع يخرج من العين ، فيسقط على الشيء فتراه ، إلى أن جاء العالم الإسلامي الحسن بن الهيثم ، وأبطل هذه النظرية وقال : إن الشعاع يأتي من المرئي إلى العين فتراه ، وليس العكس ، واستدل على ذلك بأن الشيء إنْ كان في الظلام لا نراه ، ونحن في النور ، فلو أن الشعاع يخرج منك لرأيته . وفي ضوء هذه النظرية فهمنا قوله تعالى : { وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً . . } [ الإسراء : 12 ] فهي مُبْصِرة ؛ لأن الشعاع يأتي من هناك ، فكأنها هي التي ترى . لكن ، ما نَفْع هذا النور الحسيّ للإنسان الخليفة في الأرض ؟ أنت حين ترى الأشياء تتعامل معها تعاملاً يعطيك خيرها ويكفّ عنك شرها ، ولو لم تَرَ الأشياء ما أمكنك التعامل معها ، وإلا فكيف تسير في مكان مظلم فيه ما يؤذيك مثل الثعابين أو زجاج متكسر ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 10184 | محمد متولي الشعراوي