الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } [ البقرة : 204 - 205 ] .
ومعنى أفلح : فاز بأقصى ما تتطلع إليه النفس من خير .
والأرض حين تحرثها تكون خالية ليس فيها شيء يُهْلَك ، إذن : المراد بالحرث هنا الزرع الناتج عن عملية الحرث ، والتي لا بُدَّ منها كي تتم عملية الزراعة ؛ لأنك بالحرث تثير التربة ليتخللها الهواء ، فيزيد من خصوبتها وصلاحها لاستقبال البذرة ، وسبق أن تحدثنا عن عملية الإنبات ، وكيف تتم ، وأن النبات يتغذى على فَلْقتي البذرة إلى أن يصبح له جذر قوي يستطيع أن يمتصّ من التربة ، فإن ألقيتَ البذرة في أرض صماء غير مثارة فإن الجذر يجد صعوبة في اختراق التربة والامتصاص منها .
فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا صورة من واقعنا المشاهد ، ويستعير من فلاحة الأرض ليعبر عن فلاح المؤمن وفوزه بالنعيم المقيم في الآخرة ، فالفلاح يحرث أرضه ويسقيها ويرعاها فتعطيه الحبة بسبعمائة حبة ، وهكذا سيكون الجزاء في الآخرة : { مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 261 ] .
فإذا كانت الأرض المخلوقة لله عَزَّ وَجَلَّ تعطي كل هذا العطاء ، فما بالك بعطاء مباشر من خالقك وخالق الأرض التي تعطيك ؟ وكما أن الفلاح إذا تعب واجتهد زاد محصوله ، كذلك المؤمن كلما تعب في العبادة واجتهد زاد ثوابه وتضاعف جزاؤه في الآخرة .
تفسير الشعراوي — صفحة 9960
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٦٠