أثارت هذه الآية جَدلاً طويلاً بين العلماء ، ودخل فيه كثير من الحشْو والإسرائيليات ، خاصة حول معنى { تَمَنَّى } [ الحج : 52 ] وهي تَرد في اللغة بمعنيين ، وما دام اللفظ يحتمل معنيين فليس أحدهما أَوَْلَى من الآخر إلا بمدى استعماله وشيوعه بين جمهور العربية ، ويأتي التمني في اللغة بمعنى القراءة ، كما ورد في قول حسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما :
تمنَّى كِتابَ الله أوَّلَ لَيْلةٍ . . . وآخِرَهَا وَافَاهُ حَتْم المقَادِرِ
يعني : قُتِل عثمان وهو يقرأ القرآن ، وهذا المعنى غريب في حمَلْ القرآن عليه لعدم شيوعه .
وتأتي تمنى بمعنى : أحب أن يكون الشيء ، وهذا هو القول المشهور في لغة العرب . أما بمعنى قرأ فهو غير شائع ، ويُردّ هذا القول ، وينقضه نَقْضاً أولياً مبدئياً قوله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ . . } [ الحج : 52 ] .
ومعلوم أن الرسول ينزل عليه كتاب يمكن أن يقرأه ، أمّا النبي فلا ينزل عليه كتاب ، بل يعمل بشرع مَنْ سبقه من الرسل . إذن : فما دام الرسول والنبي مشتركْين في إلقاء الشيطان ، فلا بُدَّ أن تكون الأمنية هنا بمعنى : أحب أن يكون الشيء ، لا بمعنى قرأ ، فأيُّ شيء سيقرأ النبي وَليس معه كتاب ؟
والذين فهموا التمني في قوله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ } [ الحج : 52 ] أنه
تفسير الشعراوي — صفحة 9873
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٧٣