وخلق لك مُقوِّمات حياتك ، وحدَّد لك الحلال والحرام ، فإذا حاولتَ أنت أنْ تزيد في جانب الحلال مما حرمه الله عليك ، فهذا إسراف منك ، وتجاوز للحدِّ الذي حَدَّه لك ربك ، وتجاوزتَ فيما أحلَّ لك ، وفيما حرَّم عليك .
وقد يأتي الإسراف من ناحية أخرى : فالشيء في ذاته قد يكون حلالاً ، لكن أنت تأخذه من غير حِلِّة .
فإذا نقلنا المسألة إلى التكاليف وجدنا أن الله تعالى أحلَّ أشياء وحرَّم أشياء ، فلا تنقل شيئاً مما حُرِّم إلى شيء أحلَّ ، ولا شيئاً مما أُحلَّ إلى شيء حُرِّم ، كما قال سبحانه : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق } [ الأعراف : 32 ] .
وخاطب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله : { يا أيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ } [ التحريم : 1 ] .
إذن : فربّك لا يُضيِّق عليك ، وينهاك أنْ تُضيِّق على نفسك وتُحرّم عليها ما أحلَّ لها ، كما يلومك على أنْ تُحلِّل ما حرّم عليك لأن ذلك في صالحك .
وكما يكون الإسراف في الطعام والشراب وهما من مُقوِّمات استبقاء الحياة ، يكون كذلك في استبقاء النوع بالزواج والتناسل ، إلى أنْ تقوم الساعة ، فجعل الحق سبحانه للممارسة الجنسية حدوداً تضمن النسل والاستمتاع الحلال ، فمَنْ تعدَّى هذه الحدود فقد أسرف .
ومن رحمته تعالى أنه يغفر لِمنْ أسرف على نفسه شريطةَ أن يكون مؤمناً : { قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } [ الزمر : 53 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9441
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٤٤١