فمعنى { أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } [ طه : 128 ] يعني : يُبيّن لهم ويدُّلهم على القرى الكثيرة التي كذَّبت رسلها ، وماذا حدث لها وحاق بها من العذاب ، وكان عليهم أنْ يتنبهوا ويأخذوا منهم عِبرة ولا ينصرفوا عنها .
وقوله تعالى : { يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } [ طه : 128 ] كقوله : { وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ } [ الصافات : 137 ] فليس تاريخاً يُحكَى إنما واقع ماثل تروْنَه بأعينكم ، وتسيرون بين أطلاله { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى } [ طه : 128 ] أي : عجائب لمَنْ له عقل يفكر .
وكلمة ( النُّهَى ) جمع نُهية ، وهي العقل ، وهذه الكلمة تحلُّ لنا إشكالات كثيرة في الكفر ، فالبعض يظن أن الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء ، وننفلت من كل القيود .
إنما العقل من العقال الذي يُعقَل به البعير حتى لا ينفلتَ منك ، وكذلك عقلُك يعقِلك ، ويُنظِّم حركتك حتى لا تسير في الكون على هَواك ، عقلك لتعقل به الأمور فتقول : هذا صواب ، وهذا خطأ . قبل أن تُقدِم عليه .
فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدمَ على سرقة الناس ، وما رأيك لو أبحنا للناس جميعاً أنْ يسرقوك ، وأنت فرد ، وهم جماعة ؟
الحق ساعةَ يعقل بصرك أنْ يمتدَّ لما حرم عليك فلا تقُلْ : ضيق عليَّ ، لأنه أمر الآخرين أنْ يغضُّوا أبصارهم عن محارمك ، والغير أكثر منك ، إذن : فأنت المستفيد . فإنْ أردتَ أن تُعربد في أعراض الناس ، فأَبِح لهم أن يُعربِدوا في أعراضك .
« والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة
تفسير الشعراوي — صفحة 9444
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٤٤٤