فقوله تعالى : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } [ طه : 76 ] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخُضْرة والخِصْب والإيناع ، و { مِن تَحْتِهَا } [ طه : 76 ] أي : أن الماء ذاتيّ فيها ، ونابع منها ، ليس جارياً إليك من مكان آخر ، ربما يُمنَع عنك أن تُحرم منه .
لذلك يقول تعالى في آية أخرى : { تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } [ التوبة : 100 ] فتحتها أنهار جارية ، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر .
ونسب الجريان إلى النهر ، لا إلى الماء للمبالغة . فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء .
ثم يقول تعالى : { خَالِدِينَ فِيهَا } [ طه : 76 ] وهذا هو التأمين الحقّ للنعيم ؛ لأن آفة النعم أنْ تزولَ ، إمّا بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي ، أما نعيم الجنة فقد سَلَّمه الله تعالى من هذه الآفة ، فهو خالد بَاقٍ ، لا يزول ولا يُزال عنه .
{ وذلك جَزَآءُ مَن تزكى } [ طه : 76 ] الزكاة : تُطلَق على الطهارة وعلى النماء ، فالطهارة : أن يكون الشيء في ذاته طاهراً ، والنماء : أنْ توجَد فيه خصوصية نمو فيزيد عَمَّا تراه أنت عليه .
كما ترى مثلاً الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان ، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو ، وكلها صفات ذاتية في الوردة ، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة .
وهذا هو الفرق بين صَنْعة البشر وصَنْعة الخالق للبشر ؛ لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى ، وصدق الله العظيم حين قال : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9335
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٣٣٥