وحدك في الكون ؟ وما الحال لو أطلق غيرك العنان لشهواتهم ؟
وسُمِّي العقل لُبّاً ، ليشير لك إلى حقائق الإشياء لا إلى قشورها ، ولتكون أبعد نظراً .
وأعمق فكراً في الأمور . فحين يأمرك أن تعطي شيئاً من فضل مالك للفقراء ، فسطحية التفكير تقول : لا كيف أتعب وأعرق في جمعه ، ثم أعطيه للفقير ؟ وهو لم يفعل شيئاً ؟
أماحين تتعمق في فَهْم الحكمة من هذا الأمر تجد أن الحق تبارك وتعالى قال لك : أعط المحتاجين الآن وأنت قادر حتى إذا ما احتجتَ تجد مَنْ يعطيك ، فقد يصبر الغني فقيراً ، أو الصحيح سقيماً ، أو القوي ضعيفاً ، فهذه سنة دائرة في الخَلْق متداولة عليهم .
وحين تنظر إلى تقييد الشرع لشهواتك ، فلا تنسَ أنه قيَّد غيرك أيضاً بنفس المنهج وبنفس التكاليف . فحين يقول لك : لا تنظر إلى محارم الناس وأنت فرد فهو في نفس الأمر يكون قد أمر الناس جميعاً ألاّ ينظروا إلى حرماتك .
وهكذا جعل الخالق عَزَّ وَجَلَّ آلة العقل هذه ، لا لنعربد بها في الكون ، إنما لنضبط بها الغرائز والسلوك ، ونحرسها من شراسة الأهواء ، فيعتدل المجتمع ويسْلَم أفراده .
وإلاَّ فإذا سمحتَ لنفسك بالسرقة ، فاسمح للآخرين بالسرقة منك ! ! إذن : فمن مصلحتك أنت أنْ يوجد تقنين ينهاك ، ومنهج يُنظِّم حياتك وحياة الآخرين .
والحق سبحانه يقول : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ }
تفسير الشعراوي — صفحة 9296
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٢٩٦