قالوا : لتكون هناك ضرورة في حاجة بعضنا لبعض ، فلو تساوَى الجميع لقلنا لجماعة منا : تفضّلوا بكنس الشوارع يوم كذا فلن يتفضلوا ، أما إنْ ألجأتْهم الحاجة إلى مثل هذا العمل فسوف يسارعون إليه ، كما نرى الآن في أشقَّ المهن وأصعب المهام التي ينفر منها الناس بل ويحتقرونها ترى صاحبها مُقبلاً عليها حريصاً على القيام بها ، رغم ما فيها من مشقّة ، بل ويغضب إنْ لم يجد فرصة للعمل ، لماذا ؟ لأنه مصدر قُوته وقُوت عياله .
وبهذه النظرة لا يتعالى أحد أو يستكبر ليحدث في المجتمع توازن استطراقي .
وقوله : { مِّنْ أَهْلِي } [ طه : 29 ] أي : ليكون مأموناً عليَّ .
وهذا المطلب من موسى عليه السلام يشير لأدب عال من آداب النبوة ، وقد اختار الله موسى للرسالة ، فلماذا يشرك معه أخاه في هذه المهمة ؟ إذن : موسى لا يريد أنْ يفخَر بالرسالة ، أو يتعالى بها ، أو يطغى ، إنما يريد أن يقوم بها على أكمل وجه ؛ لذلك يحاول أنْ يُكمل ما فيه من نقص بأخيه ليُعينه على تبليغ رسالته ، ولو أراد الاستئثار بالرسالة ما طلب هذا الطلب .
وهذا نموذج يجب أنْ يُحتذَى ، فإنْ كُلِّفت بأمر فوق طاقتك فلا غبارَ عليك أن تستعين عليه بغيرك ، فهذا دليل على إخلاصك للمهمة التي كُلِّفت بها .
فاختار أخاه هارون ليعينه في مهمة الرسالة .
ثم أوضح العلّةَ في ذلك ، فقال في آية آخرى : { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً } [ القصص : 34 ] .
تفسير الشعراوي — صفحة 9261
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٢٦١