ولكي نستكمل حَلَّ ما أشكل في هذه المسألة لا بُدَّ لنا أن نعلم أن منطقة الاختيار هذه لا تكون إلا في الدنيا في دار التكليف ؛ لأنها محل الاختيار ، وفيها نستطيع أن نُمَيِّز بين العباد الذين انصاعوا لربهم وخرجوا عن مرادهم لمراده سبحانه ، وبين العبيد الذين تمرَّدوا واختاروا غير مراد الله عَزَّ وَجَلَّ في الاختياريات ، أما في القهريات فلا يستطيعون الخروج عنها .
فإذا جاءت الآخرة فلا محلَّ للاختيار والتكليف ، فالجميع مقهور لله تعالى ، ولا مجالَ فيها للتقسيم السابق ، بل الجميع عبيد وعباد في الوقت ذاته .
إذن : نستطيع أن نقول : إن الكل عباد في الآخرة ، وليس الكل عباداً في الدنيا . وعلى هذا نستطيع فهم معنى ( عباد ) في الآيتين : { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ . . } [ المائدة : 118 ]
وقوله : { أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ . . } [ الفرقان : 17 ]
فسمّاهم الحق سبحانه عباداً ؛ لأنه لم يَعُدْ لهم اختيار يتمردون فيه ، فاستوَوْا مع المؤمنين في عدم الاختيار مع مرادات الله عَزَّ وَجَلَّ .
إذن : فقول الحق سبحانه : { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ . . } [ الإسراء : 5 ]
المقصود بها الإفساد الأول الذي حدث من اليهود في ظِلِّ الإسلام ، حيث نقضوا عهدهم مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه عندما جَاسُوا خلال ديارهم ، وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم مَنْ قتلوه ، وسَبَوْا مَنْ سَبَوْه .
تفسير الشعراوي — صفحة 8357
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٣٥٧