يخلق الخلق ؛ لأنه خالق قبل أن يخلق ، كما نقول : فلان شاعر ، أهو شاعر لأنه قال قصيدة ؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعراً ؟
الواقع أن الشعر موهبة ، وملَكة عنده ، ولولاها ما قال شعراً ، إذن : هو شاعر قبل أن يقول .
كذلك فصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يوجد الخَلْق .
لذلك فإن المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة ( سبح ) يجدها بلفظ ( سُبْحان ) في أول الإسراء : { سُبْحَانَ الذي أسرى . . } [ الإسراء : 1 ]
ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه .
ثم بلفظ : { سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض . . } [ الحديد : 1 ]
بصيغة الماضي ، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط ، بل من السماوات والأرض ، وهي خَلْق سابق للإنسان .
ثم يأتي بلفظ : { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض . . } [ الجمعة : 1 ]
بصيغة المضارع ؛ ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي ، بل ومستمر في المستقبل لا ينقطع . إذن : ما دام التسبيح والتنزيه ثابتاً لله تعالى قبل أن يخلق مَنْ يُنزِّهه ، وثابتاً لله من جميع مخلوقاته في السماوات والأرض ، فلا تكُنْ أيها الإنسان نشازاً في منظومة الكون ، ولا تخرج عن هذا النشيد الكوني : { سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى } [ الأعلى : 1 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8559
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٥٥٩