تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3505

مساهمون:

ص٣٥٠٥
كأن الآيات الدالة على صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صدق البلاغ عن ربه لا تقنعهم ، بل يعرضون عنها . مع أن الواجب كان يقتضى أن يرهفوا الآذان لما يحل لهم لغز الحياة . وما زال الإعراض مستمرا حتى زماننا هذا بالرغم من أننا توصلنا إلى معرفة العمر الافتراضى لبعض الأشياء التي من صناعتنا مثل مصباح الكهرباء الذي يتغير بعد كل فترة ، وغيره من الأجهزة ، ولكنا لا نعرف العمر الافتراضى للشمس ولم تحتج إلى صيانة ذات مرة ، ولم نجد من يسأل : ( وكيف يحدث كل هذا الإعجاز ؟ ) . وقد أتى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ليبين لنا أن الذي خلق الخلق كله يخبرنا بمطلوبه ويفسر لنا الكون ، ولكن الإنسان يعرض عن ذلك . إن أول « مطب » يقع فيه الإنسان ، أنه تأتيه الآيات التي تدل على لغز هذا الوجود من خالق الوجود ، وكيفية تدبير الكون قبل وجود الإنسان ، وكيفية جعل ما في الكون من قوت يقيم به حياته ويستبقى نوعه ، وبرغم ذلك ينصرف عن سماع كل ذلك . إن الكفار لم يعرضوا فقط ، بل انتقلوا إلى المرحلة الثانية وهي التكذيب ، فلم يكتفوا بترك خبر الإيمان والإعراض عنه ولكنهم يزيدون في ذلك ما يوضحه الحق بقوله :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 5 ]

فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) فهذا خروج من الإعراض إلى التكذيب ، فالإعراض أمر سلبى ، والتكذيب هو الوقوف إيجابيا في موقف الضد والصد عن سبيل اللّه ، ثم ينتقلون إلى المرحلة الثالثة وهي الاستهزاء . إننا إذن أمام ثلاث مراحل : إعراض ، تكذيب ، استهزاء . وكل ذلك لعلهم يصرفون المتّبع عن الاتباع . ومثال ذلك ما ضربه الحق لنا في أمر نوح :