بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
( من الآية 11 سورة الفتح )
إذن فما انشغل به الكفار في الدنيا لن ينفعهم ، ويضيف الحق عن الكفار في تتذييل الآية التي نحن بصددها :
« وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ »
إنهم المعذبون ، وسوف يتعذبون في النار . ولنر النكاية الشديدة بهم ، إن الذين يعذّبون ، هم الذين يعذّبون ؛ لأنهم بأنفسهم سيكونون وقود النار . إن المعذّب - بفتح العين وفتح الذال مع التشديد - يكون هو المعذّب - بفتح العين وكسر الذال مع التشديد -
فهذه ثورة الأبعاض . فذرّات الكافر مؤمنة ، وذرات العاصي طائعة ، والذي جعل هذه الذرات تتجه إلى فعل ما يغضب اللّه هو إرادة صاحبها عليها . وضربنا قديما المثل - وللّه المثل الأعلى - وقلنا : هب أن كتيبة لها قائد فالمفروض في الكتيبة أن تسمع أمر القائد ، وتقوم بتنفيذ ما أمر به ؛ فإذا ما جاءوا للآمر والقائد الأعلى بعد ذلك فإنهم يرفعون أمرهم إليه ويقولون له : بحكم الأمر نفذنا العمل الذي صدر لنا من قائدنا المباشر وكنا غير موافقين على رأيه . وفي الحياة الإيمانية نجد القول الحكيم من الخالق :
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 24 )
( سورة النور )
فكان اللسان ينطق بكلمة الكفر وهو لاعن لصاحبه . واليد تتقدم إلى المعصية وهي كارهة لصاحبها ولا عنة له ، إن إرادة اللّه العليا هي التي جعلت للكافر إرادة على يده ولسانه في الدنيا ، وينزع اللّه إرادة الكافر عن جوارحه يوم القيامة فتشهد عليه أنه أجبرها على فعل المعاصي ، وتعذب الأبعاض بعضها ، وعندما يقول الحق :
« وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ »
وهنا مسألة يجب أن نلتفت إليها ونأخذها من واقع التاريخ ، هذه المسألة هي أن الذين كفروا برسالات اللّه في الأرض تلقوا بعض العذاب في الدنيا ؛ لأن اللّه لا يدّخر كل العقاب للآخرة وإلا لشقى الناس بالكافرين وبالعاصين ، ولذلك فإن اللّه يعجّل بشئ من العقاب للكافرين والعاصين في هذه الدنيا .