والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يأتي للمعسر ويعامله معاملة الأريحية الإيمانية فيقول :
« من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله » « 1 » .
ومعنى « أنظر » أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فلا يلاحقه ، فلا يحبسه في دينه ، فلا يطارده ، وإن تسامى في اليقين الإيمانى ، يقول له : « اذهب ، اللّه يعوض على وعليك » وتنتهى المسألة ، ولذلك يقول الحق :
« وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
والثمرة هي حسن الجزاء من اللّه . فإما أن تنظر وتؤخر ، وإما أن تتصدق ببعض الدين أو بكل الدين ، وأنت حر في أن تفعل ما تشاء . فانظروا دقة الحق عند تصفية هذه القضية الاقتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية .
ولقد عرفنا مما تقدم أن الإسلام قد بنى العملية الاقتصادية على الرفد والعطاء ، وتكلم الحق سبحانه وتعالى عنها في آيات النفقة التي سبقت من أول قوله تعالى :
« مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ »
. وتكلم طويلا عن النفقة .
والنفقة تشمل ما يكون مفروضا عليك من زكاة ، وما تتطوع به أنت . والمتطوع بشئ فوق ما فرض اللّه يعتبره سبحانه حقا للفقير ، ولكنه حق غير معلوم ، ولذلك حينما تعرضنا إلى قوله سبحانه :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ
( 17 )
( سورة الذاريات )
أيتطلب الإسلام منا ألا نهجع إلا قليلا من الليل ؟ لا ، إن للمسلم أن يصلى العشاء وينام ، ثم يقوم لصلاة الفجر ، هذا ما يطلبه الإسلام . لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا في مقام الإحسان مع اللّه .
هامش
( 1 ) رواه أحمد ومسلم عن أبي اليسر .