طبع ، اللغة ملكة ، اللغة وجدان ، يقولون : إن القرآن يفوته بعض التقعيدات التي تقعدها لغته . فمثلا جاءوا بهذه الآية :
« وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
.
قال بعض المستشرقين : نريد أن نبحث مع علماء القرآن عن خبر « كان » في قوله :
« وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ »
، صحيح لا نجد خبر « كان » ، ولكن الملكة العربية ليست عنده ؛ لأنه إذا كان قد درس العربية كان يجب أن يعرف أن « كان » تحتاج إلى اسم وإلى خبر ، اسم مرفوع وخبر منصوب وهذه هي التي يقال عنها كان الناقصة ، كان يجب أن يفهم أيضا معها أنها قد تأتى تامة أي ليس لها خبر ، وتكتفى بالمرفوع ، وهذه تحتاج إلى شرح بسيط .
إن كل فعل من الأفعال يدل على حدث وزمن ، وكلمة « كان » إن سمعتها دلت على وجود وحدث مطلق لم تبين فيه الحالة التي عليها اسمها ، كان مجتهدا ؟ كان كسولا ؟ مثلا فهي تدل على وجود شئ مطلق أي ليس له حالة ، ومعنى ذلك أن ( كان ) دلت على الزمن الوجودي المطلق أي على المعنى المجرد الناقص ، والشئ المطلق لا يظهر المراد منه إلا إذا قيد ، فإن أردت أن تدل على وجود مقيد ليتضح المعنى ، ويظهر ، فلا بد أن تأتيها بخبر ، كأن تقول : كان زيد مجتهدا ، هنا وجد شئ خاص وهو اجتهاد زيد . إذن ف ( كان ) هنا ناقصة تريد الخبر يكملها وليعطيها الوجود الخاص ، فإذا لم يكن الأمر كذلك وأردنا الوجود فقط تكون ( كان ) تامة أي تكتفى بمرفوعها فقط مثل أن تقول : عاد الغائب فكان الفرح أي وجد ، أو أشرقت الشمس فكان النور ، والشاعر يقول :
وكانت وليس الصبح فيها بأبيض * وأضحت وليس الليل فيها بأسود
فقوله
« وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ »
أي فإن وجد ذو عسرة . . أي إن وجد إنسان ليس عنده قدرة على السداد ،
« فَنَظِرَةٌ »
من الدائن
« إِلى مَيْسَرَةٍ »
أي إلى أن يتيسر ، ويكون رأس المال في هذه الحالة « قرضا حسنا » ، وكلما صبر عليه لحظة أعطاه اللّه عليها ثوابا .