تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 885

مساهمون:

ص٨٨٥
آدم هذا الموقف ، وبعد ذلك أقسم بعزة اللّه أن يغويكم جميعا ، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة ، أي أن الشيطان لم يفاجئنا . وإنما وضع الحق أمامنا قصة الشيطان مع آدم واضحة جلية ليعطينا المناعة ، بدليل أننا حين نريد أن نصون أجسامنا نجعل لأنفسنا مناعة قبل أن يأتي المرض ، نطعم أنفسنا ضد شلل الأطفال ، وضد الكوليرا ، وضد كذا ، وكذا ، فكأن اللّه سبحانه وتعالى يذكر قصة الشيطان مع أبينا آدم ليقول لنا : لاحظوا أن عداوته مسبقة . وما دام له معكم عداوة مسبقة فلن يأخذكم على غرة ؛ لأن اللّه نبهكم لتلك المسألة مع الخلق الأول . والشيطان عندما يذكر في القرآن يراد به مرة عاصى الجن ، لأن طائع الجن مثل طائع البشر تماما ، ومرة يريد به شياطين الإنس إذن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين . وحتى تستطيع أن تفرق بين ما يزينه الشيطان وبين ما تزينه لك نفسك ، فإن رأيت نفسك مصرا على معصية من لون واحد فاعلم أن السبب هو نفسك ، لأن النفس تريدك عاصيا من لون يشبع نقصا فيها فهي تصر عليه : إنسان يحب المال فتتسلط عليه نفسه من جهة المال ، وإنسان آخر يحب الجنس فتتسلط عليه نفسه من جهة النساء ، وثالث يحب الفخر والمديح فتتسلط عليه نفسه من جهة من ينافقه . لكن الشيطان لا يصر على معصية بعينها ، فإن رآك قد امتنعت عن معصية فهو يزين لك معصية أخرى ؛ لأنه يريدك عاصيا على أية جهة . والحق يحذرنا
« وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
. وليس هناك عداوة أوضح من عداوة الشيطان بعد أن وقف من آدم وقال ما أورده الحق على لسانه :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
( 83 ) ( من الآية 82 ، 83 سورة ص ) ويقول الحق من بعد ذلك :