( إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة ) « 1 »
وكان المنطق يقتضى أن يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ( تجلى الرحمن بالمغفرة ) ولكن ما دامت هناك ذنوب ، فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم . فكأن صفة الغفار تشفع عند صفة الجبار . . وصفة الجبار مقامها للعاصين ، فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها ، فيغفر اللّه للعاصين ذنوبهم ، وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتى كلمة جبار . . يشعر الانسان بالفزع والخوف والرعب . لكن عندما تسمع ( تجلى الجبار بالمغفرة ) فإن السعادة تدخل إلى قلبك . لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك . والنار ليست آمرة ولا فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة . اذن فاستعذ منها بالآمر أو بصفات الجمال في الآمر .
يقول الحق سبحانه وتعالى
« هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
ولقد قلنا إن الهدى هدى اللّه . . لأنه هو الذي حدد الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل إليها . فكون اللّه هو الذي حدد المطلوب ودلنا على الطريق اليه فهذه قمة النعمة . . لأنه لم يترك لنا أن نحدد غايتنا ولا الطريق إليها . فرحمنا بذلك مما سنتعرض له من شقاء في أن نخطىء ونصيب بسبب علمنا القاصر ، فنشقى وندخل في تجارب ، ونمشى في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه إلى طريق آخر فيكون أضل وأشقى .
وهكذا نتخبط دون أن نصل إلى شئ . . وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله فأنزل القرآن الكريم . . كتابا فيه هداية للناس وفيه دلالة على أقصر الطرق لكي نتقى عذاب اللّه وغضبه .
واللّه سبحانه وتعالى قال :
« هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
أي أن هذا القرآن هدى للجميع . .
فالذي يريد أن يتقى عذاب اللّه وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية . .
فالهدى من الحق تبارك وتعالى للناس جميعا . ثم خص من آمن به بهدى آخر ، وهو أن يعينه على الطاعة .
هامش
( 1 ) كنز العمال ، وفي حديث آخر : ( . . إذا كان آخر ليلة غفر اللّه لهم جميعا . فقال رجل من القوم :
أهي ليلة القدر ؟ فقال : لا . . ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفّوا أجورهم ) رواه البيهقي .