وروى عن الشافعي وأكثر الحنفية التخصيص بضمير البعض ، وعليه فتربص البوائن ثلاثة قروء مأخوذ من دليل آخر .
أما عدم التخصيص بذكر البعض فلم يخالف فيه إلا أبو ثور ، وتقدم رد مذهبه .
ولو سلمنا أن الآية معارضة بقوله تعالى
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ
[ المائدة :
5 ] فإنا نجد النّبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بترك مثل هذا الذي تعارضت فيه النصوص بقوله : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » .
المسألة الثانية : اختلف العلماء في ذكاة نصارى العرب كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ونحوهم ، فالجمهور على أن ذبائحهم لا تؤكل . قاله ابن كثير وهو مذهب الشافعي ونقله النووي في شرح المهذب عن علي وعطاء وسعيد بن جبير .
ونقل النووي أيضا إباحة ذكاتهم عن ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخراساني والزهري والحكم وحماد وأبي حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور . وصحح هذا القول ابن قدامة في المغني محتجا بعموم قوله
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ
[ المائدة : 5 ] .
وحجة القول الأول ما روي عن عمر رضي اللّه عنه قال : ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم .
وما روي عن علي رضي اللّه عنه : لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب لأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ، ولا يعلم هل دخلوا في دين من يدل منهم أو في دين من لم يبدل فصاروا كالمجوس لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تؤكل ذبائحهم . ذكر هذا صاحب المهذب وسكت عليه النووي في الشرح قائلا : إنه حجة الشافعية في منع ذبائحهم ، ويفهم منه عدم إباحة أكل ذكاة اليهود والنصارى اليوم لتبديلهم لا سيما فيمن عرفوا منهم بأكل الميتة كالنصارى .
المسألة الثالثة : ذبائح المجوس لا تحل للمسلمين . قال النووي في شرح المهذب هي حرام عندنا ، وقال به جمهور العلماء ، ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء . قال :
وممن قال به سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .