معروفان في علم البلاغة ، وقصدنا هنا القول بالموجب بالاصطلاح الأصولي لا البياني ، وأما تركه صلى اللّه عليه وسلم الاستفصال في شاة اليهودية فلا يخفى أنه لا دليل فيه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم ينظر بعينه ولا يخفى عليه شحم الجوف ولا شحم الحوايا ولا الشحم المختلط بعظم ، كما هو ضروري فلا حاجة إلى السؤال عن محسوس حاضر .
وأجرى الأقوال على الأصول في مثل الشحم المذكور الكراهة التنزيهية لعدم دليل جازم على الحل أو التحريم ، لأن ما يعتقد الشخص أنه حرام عليه ليس من طعامه ، والذكاة لا يظهر تجزؤها فحكم المسألة مشتبه ومن ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه .
وأما المبحث الثاني : وهو الجمع بين قوله
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ
[ المائدة : 5 ] مع قوله
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 121 ] فيما إذا لم يذكر الكتابي على ذبيحته اسم اللّه ولا اسم غيره .
فحاصله أن في قوله
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
وجهين من التفسير .
أحدهما : وإليه ذهب الشافعي ، وذكر ابن كثير في تفسيره لها أنه قوي ، أن المراد بما لم يذكر اسم اللّه عليه هو ما أهلّ به لغير اللّه ، وعلى هذا التفسير ، فمبحث هذه الآية هو المبحث الأول بعينه لا شيء آخر .
الوجه الثاني - أنها على ظاهرها ، وعليه فبين الآيتين أيضا عموم وخصوص من وجه تنفرد آية
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
فيما ذبحه الكتابي وذكر عليه اسم اللّه فهو حلال بلا نزاع .
وتنفرد آية
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
فيما ذبحه وثني أو مسلم لم يذكر اسم اللّه عليه ، فما ذبحه الوثني حرام بلا نزاع ، وما ذبحه المسلم من غير تسمية يأتي حكمه إن شاء اللّه . ويجتمعان فيما ذبحه كتابي ولم يسم اللّه عليه فيتعارضان فيه .
فيدل عموم
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
على الإباحة ، ويدل عموم
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
على التحريم ، فيصار إلى الترجيح كما قدمنا .
واختلف في هذين العمومين أيضا أيهما أرجح ، فذهب الجمهور إلى ترجيح عموم
وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
الآية .
وقال بعضهم بترجيح عموم
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
.
قال النووي في شرح المهذب : ذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم اللّه