[ التحريم : 11 ] مع قوله
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( 43 ) [ العنكبوت : 43 ] .
فدل ذلك على أن تقييض الخبيثة للطيب أو الطيبة للخبيث فيه حكمة لا يعقلها إلا العلماء ، وهي في تقييض الخبيثة للطيب أن يبين للناس أن القرابة من الصالحين لا تنفع الإنسان ، وإنما ينفعه عمله . ألا ترى أن أعظم ما يدافع عنه الإنسان زوجته وأكرم الخلق على اللّه رسله ، فدخول امرأة نوح وامرأة لوط النار ، كما قال تعالى :
فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ
[ التحريم : 10 ] فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر من الاغتراز بالقرابة من الصالحين والأعلام ، بأن الإنسان إنما ينفعه عمله
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ] الآية .
كما أن دخول امرأة فرعون الجنة يعلم منه أن الإنسان إذا دعته الضرورة لمخالطة الكفار من غير اختياره ، وأحسن عمله وصبر على القيام بدينه أنه يدخل الجنة ولا يضره خبث الذين يخالطهم ويعاشرهم فالخبيث خبيث وإن خالط الصالحين ، كامرأة نوح ولوط ، والطيب طيب وإن خالط الأشرار كامرأة فرعون ، ولكن مخالطة الأشرار لا تجوز اختيارا ، كما دلت عليه أدلة أخر .
قوله تعالى :
حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ 39 ] .
لا يخفى ما يسبق إلى الذهن فيه من أن الضمير في قوله : جاءه يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء ، لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل . ومعلوم أن الصفة الإضافية لا تتقوم إلا بين متضائفين ، فلا تدرك إلا بإدراكهما فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل إلا بإدراك فاعل وقع منه المجيء ، وقوله تعالى :
لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء ، في قوله تعالى :
جاءَهُ .
والجواب عن هذا من وجهين . ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية ، قال : فإن قال قائل : وكيف قيل : حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، فإن لم يكن السراب شيئا ، فعلام دخلت الهاء في قوله « حتى إذا جاءه » ؟
قيل : إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد ، والهباء فإذا قرب منه دق وصار كالهواء ، وقد يحتمل أن يكون معناه : حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ، فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه . انتهى منه بلفظه .
والوجه الأول أظهر عندي بدليل قوله : وقد يحتمل أن يكون معناه إلخ . . .