هذه الآية الكريمة نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها مما رميت به .
وذلك يؤيد ما قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من أن معناها الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء ، أي فلو كانت عائشة رضي اللّه عنها غير طيبة لما جعلها اللّه زوجة لأطيب الطيبين صلوات اللّه عليه وسلامه .
وعلى هذا ، فالآية الكريمة يظهر تعارضها مع قوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ
[ التحريم : 10 ] - إلى قوله -
الدَّاخِلِينَ
( 10 ) [ التحريم : 10 ] وقوله أيضا
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ
[ التحريم :
11 ] الآية .
إذ الآية الأولى دلت على خبث الزوجتين الكافرتين مع أن زوجيهما من أطيب الطيبين ، وهما نوح ولوط عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام . والآية الثانية دلت على طيب امرأة فرعون مع خبث زوجها .
والجواب : أن في معنى الآية وجهين للعلماء .
الأول : وبه قال ابن عباس وروي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك ، كما نقله عنهم ابن كثير واختاره ابن جرير . أن معناها الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من القول ، أي فما نسبة أهل النفاق إلى عائشة من كلام خبيث هم أولى به ، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ، ولذا قال تعالى :
أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ
[ النور :
26 ] وعلى هذا الوجه فلا تعارض أصلا بين الآيات .
الوجه الثاني : هو ما قدمنا عن عبد الرحمن بن زيد ، وعليه فالإشكال ظاهر بين الآيات والذي يظهر لمقيده عفا اللّه عنه أن قوله
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
إلى آخره على هذا القول من العام المخصوص ، بدليل امرأة نوح ولوط وامرأة فرعون .
وعليه فالغالب تقييض كل من الطيبات والطيبين والخبيثات والخبيثين لجنسه وشكله الملائم له في الخبث أو الطيب ، مع أنه تعالى ربما قيض خبيثة لطيب كامرأة نوح ولوط ، أو طيبة لخبيث كامرأة فرعون لحكمة بالغة ، كما دل عليه قوله
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[ التحريم : 10 ] وقوله :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا