قال : « إن اللّه قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء » « 1 » .
وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي اللّه عنه عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم « كلّ ميسر لما خلق له » « 2 » .
وإذا تقرر أن قوله تعالى
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
[ 119 ] معناه أنه خلقهم لسعادة بعض وشقاوة بعض ، كما قال
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
[ الأعراف : 179 ] الآية وقال
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] فلا يخفى ظهور التعارض بين هذه الآيات مع قوله تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] .
والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه :
الأول : ونقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان : أن معنى الآية
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
أي يعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء ، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة اللّه حاصلة بفعل السعداء منهم . كما أشار له قوله تعالى
فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ
[ الأنعام : 89 ] .
وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق المجموع وأراد بعضهم ، وقد بينا أمثال ذلك من الآيات التي أطلق فيها المجموع مرادا بعضه في سورة الأنفال .
الوجه الثاني - هو ما رواه ابن جرير عن ابن عباس واختاره ابن جرير أن معنى قوله :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات : 56 ] أي إلا ليقروا إليّ بالعبودية طوعا أو كرها ، لأن المؤمن يطيع باختياره ، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرا عليه .
الوجه الثالث - ويظهر لي أنه هو الحق ، لدلالة القرآن عليه : أن الإرادة في قوله
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
إرادة كونية قدرية والإرادة في قوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ، إرادة شرعية دينية ، فبين في قوله
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
، وقوله
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[ الأعراف : 179 ] أنه أراد بإرادته الكونية القدرية صيرورة قوم إلى السعادة ، وآخرين إلى الشقاوة .
وبين بقوله :
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] أنه يريد العبادة بإرادته الشرعية
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 16 .
( 2 ) سبق تخريجه في الجزء السابع .