وبمعنى النقل من موضع إلى موضع ، ومنه : نسخت الكتاب ، إذا نقلت ما فيه ، حاكيا للفظه وخطّه .
قال مكّيّ « 1 » : وهذا الوجه لا يصحّ أن يكون في القرآن ، وأنكر على النحاس « 2 » إجازته ذلك ، محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ ؛ وأنه إنّما يأتي بلفظ آخر .
وقال السعيدي « 3 » : يشهد لما قاله النحّاس قوله تعالى :
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الجاثية : 29 ] . وقال :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 )
[ الزخرف : 4 ] .
ومعلوم أنّ ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أمّ الكتاب ، وهو اللوح المحفوظ ، كما قال تعالى :
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[ الواقعة : 78 ، 79 ] .
الثانية : النسخ مما خصّ اللّه به هذه الأمّة لحكم ، منها التيسير .
وقد أجمع المسلمون على جوازه ، وأنكره اليهود ظنا منهم أنه بداء ، كالذي يرى الرأي ثم يبدو له ، وهو باطل « 4 » ؛ لأنه بيان مدّة الحكم كالإحياء بعد الإماتة وعكسه ، والمرض بعد الصحة وعكسه ، والفقر بعد الغنى وعكسه ، وذلك لا يكون بداء ، هكذا الأمر والنهي .
واختلف العلماء :
هامش
( 1 ) في كتابه الإيضاح ص 47 - 48 حيث قال : « وهذا المعنى ليس من النسخ الذي قصدنا إلى بيانه ، إذ ليس في القرآن آية ناسخة لآية أخرى ، كلاهما بلفظ واحد ومعنى واحد ، وهما باقيتان ، وهذا لا معنى لدخوله فيما قصدنا إلى بيانه .
وقد غلط في هذا جماعة ، وجعلوا النسخ الذي وقع في القرآن مأخوذا من هذا المعنى ، وهو وهم ، وقد انتحله النحاس ، وقال في كتابه : « أكثر النسخ في كتاب اللّه - عزّ وجلّ - مشتق من نسخت الكتاب » مع كلام يدل على هذا المذهب . هذا خطأ ، ليس في القرآن آية نسخت بآية مثلها في لفظها ومعناها ، وهما باقيتان ؛ لأن معنى نسخت الكتاب : نقلت ألفاظه ومعانيه إلى كتاب آخر . وهذا ليس من النسخ الذي هو إزالة الحكم وإبقاء اللفظ ، ولا من النسخ الذي هو إزالة الحكم واللفظ » ا ه .
( 2 ) انظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 10 .
( 3 ) وهو أبو البركات محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد السعيدي النحوي ، كتابه : « الإيجاز في معرفة ما في القرآن من منسوخ وناسخ » . وقد حققه عبد الكريم عثمان لنيل درجة الماجستير بالرياض . وقد نقل كلامه الزركشي في برهانه 2 / 29 - 30 .
( 4 ) انظر الفرق بين النسخ والبداء في الإيضاح ص 112 - 113 ، والناسخ والمنسوخ للنحاس ص 11 - 12 .