قال : هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نهي عنه من البيوع ؟ وجهان . وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها ؛ لأن لفظ البيع اسم لغويّ معناه معقول ، لكن لما قام بإزائه من السنة ما يعارضه تدافع العمومان ، ولم يتعيّن المراد إلّا ببيان السنّة ، فصار مجملا لذلك دون اللفظ ، أو في اللفظ أيضا ؛ لأنّه لمّا لم يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم ، وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلا أيضا ؟ وجهان . قال : وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ؛ وإن دلّت على صحة البيع من أصله ، قال : وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل ؛ حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل .
والقول الثالث : أنّها عامّة مجملة معا ، قال : واختلف في وجه ذلك على أوجه :
أحدها : أنّ العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير .
والثاني : أنّ العموم في :
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
، والإجمال في
وَحَرَّمَ الرِّبا
[ البقرة : 275 ] .
والثالث : أنّه كان مجملا ، فلمّا بيّنه صلّى اللّه عليه وسلّم صار عاما ، فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها .
والقول الرابع : أنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحلّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيوعا وحرّم بيوعا ، فاللّام للعهد ؛ فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها . انتهى .
ومنها : الآيات التي فيها الأسماء الشرعيّة ، نحو :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة : 43 ] .
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
[ البقرة : 185 ] .
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[ آل عمران : 97 ] . قيل : إنها مجملة ، لاحتمال الصلاة لكلّ دعاء ، والصوم لكلّ إمساك ، والحجّ لكلّ قصد . والمراد بها لا تدلّ عليه اللغة ، فافتقر إلى البيان .
وقيل : لا ، بل يحمل على كلّ ما ذكر إلّا ما خصّ بدليل .
تنبيه : قال ابن الحصّار : من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد .
قال : والصواب أنّ المجمل : اللفظ المبهم الذي لا يفهم المراد منه ، والمحتمل : اللفظ الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعدا ، سواء كان حقيقة في كلّها أو بعضها .