وقال قوم من المتكلّمين : إنّه يسوغ إعمال الرّأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف ؛ إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية ، وإن لم يثبت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ بها . وأبى ذلك أهل الحقّ ، وأنكروه وخطّئوا من قال به . انتهى .
وقد بنى المالكيّة وغيرهم ممّن قال بإنكار البسملة قولهم على هذا الأصل ، وقرّروه بأنها لم تتواتر في أوائل السّور ، وما لم يتواتر فليس بقرآن .
وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر ، فربّ متواتر عند قوم دون آخرين ، وفي وقت دون آخر ، ويكفي في تواترها إثباتها في مصاحف الصّحابة فمن بعدهم بخطّ المصحف ، مع منعهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه ، كأسماء السور ، وآمين ، والأعشار ؛ فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخطّه من غير تمييز ؛ لأنّ ذلك يحمل على اعتقادها ، فيكونون مغرّرين بالمسلمين ، حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا ، وهذا ممّا لا يجوز اعتقاده في الصحابة .
فإن قيل : لعلّها أثبتت للفصل بين السور ؛ أجيب : بأنّ هذا فيه تغرير ، ولا يجوز ارتكابه لمجرّد الفصل ؛ ولو كانت له لكتبت بين براءة والأنفال .
ويدلّ لكونها قرآنا منزلا : ما أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن أم سلمة ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 )
. . .
الحديث ؛ وفيه : وعدّ :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
آية ، ولم يعدّ :
عَلَيْهِمْ
« 1 » .
وأخرج ابن خزيمة والبيهقيّ في « المعرفة » بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
« 2 » .
وأخرج البيهقيّ في الشعب ، وابن مردويه . بسند حسن . ، من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : أغفل النّاس آية من كتاب اللّه ، لم تنزل على أحد سوى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلّا أن يكون سليمان بن داود :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه ص 236 .
( 2 ) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار برقم ( 721 ) 1 / 521 .
وفي السنن 2 / 50 وسقط منه ذكر سعيد بن جبير فهو منقطع .
قال البيهقي : ورواه غيره فقال في إسناده : « عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
وكأنه سقط ذكر سعيد من كتابي أو من كتاب شيخي » ا ه .
وبذكر سعيد بن جبير ، فهو صحيح الإسناد ، رجاله ثقات .
( 3 ) رواه البيهقي في الشعب 2 / 437 - 438 .
وفي سنده ليث بن أبي سليم : صدوق ، اختلط جدا ، ولم يتميز حديثه فترك . انظر التقريب 2 / 138 ، والتهذيب 8 / 465 - 468 ، والمغني 2 / 536 ، والكاشف 3 / 13 .