منزّل عليك توراة حديثة تفتح أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا » « 1 » .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة قال : لمّا أخذ موسى الألواح قال : يا ربّ ، إني أجد في الألواح أمّة ، أناجيهم في قلوبهم ، فاجعلهم أمّتي . قال : تلك أمّة أحمد « 2 » .
ففي هذين الأثرين تسميه القرآن توراة وإنجيلا ، ومع هذا لا يجوز الآن أن يطلق عليه ذلك ، وهذا كما سمّيت التوراة فرقانا في قوله :
وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ
[ البقرة :
53 ] ، وسمّى صلّى اللّه عليه وسلّم الزّبور قرآنا في قوله : « خفّف على داود القرآن » « 3 » .
فصل في أسماء السور
قال القتبيّ : السورة تهمز ولا تهمز ، فمن همزها جعلها من أسأرت ، أي : أفضلت ، من السؤر ، وهو : ما بقي من الشراب في الإناء ، كأنّها قطعة من القرآن ، ومن لم يهمزها جعلها من المعنى المتقدّم وسهّل همزها .
ومنهم من يشبّهها بسور البناء : أي : القطعة منه ، أي : منزلة بعد منزلة .
وقيل : من سور المدينة ، لإحاطتها بآياتها واجتماعها ، كاجتماع البيوت بالبيوت ، ومنه السّوار لإحاطته بالساعد .
وقيل : لارتفاعها ؛ لأنّها كلام اللّه ، والسورة المنزلة الرفيعة « 4 » ، قال النابغة :
ألم تر أنّ اللّه أعطاك سورة * ترى كلّ ملك حولها يتذبذب « 5 »
وقيل : لتركيب بعضها على بعض ، من التسوّر بمعنى التصاعد والتركب ، ومنه :
إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ
[ ص : 21 ] .
هامش
( 1 ) قال القرطبي في التذكار ص 29 - 30 : « وسمي - أيضا - توراة ، ذكره القاضي عياض في كتاب الشفا » .
( 2 ) عزاه في الدر المنثور 3 / 122 لعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة .
ورواه عبد الرزاق في تفسيره 2 / 236 - 237 وهو خبر معضل ، وهو من الإسرائيليات . ورواه أبو الفضل الرازي في فضائل القرآن ، حديث رقم ( 54 ) ص 93 - 94 من حديث أبي هريرة وسنده ضعيف جدا ، فيه جبارة بن المغلس .
( 3 ) رواه البخاري ( 3417 - 4713 ) ، وفي خلق أفعال العباد ( 597 - 598 - 599 ) ، وأحمد 2 / 314 ، وابن حبان ( 6225 ) ، والبيهقي في الأسماء والصفات 1 / 412 ، والبغوي ( 2027 ) .
( 4 ) انظر البرهان 1 / 273 - 282 ، وبصائر ذوي التميز 1 / 84 - 85 ، ولسان العرب 4 / 386 ، وعمدة الحفاظ 2 / 267 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 / 3 - 4 .
( 5 ) انظر البيت في لسان العرب 4 / 386 ، وعمدة الحفاظ 2 / 267 ، وبصائر ذوي التمييز 1 / 85 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 / 4 .