العرب . وتمسّك قائل هذا بظاهر قوله تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء :
193 - 194 ] « 1 » .
والثالث : أنّ جبريل ألقى إليه المعنى ، وأنّه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب ، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربيّة ، ثم إنّه نزل به كذلك بعد ذلك .
وقال البيهقي « 2 » في معنى قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 )
: يريد . واللّه أعلم . : إنّا أسمعنا الملك وأفهمناه إيّاه وأنزلناه بما سمع . فيكون الملك منتقلا به من علو إلى أسفل .
قال أبو شامة « 3 » : هذا المعنى مطّرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه ، يحتاج إليه أهل السنّة المعتقدون قدم القرآن ، وأنه صفة قائمة بذات اللّه تعالى .
قلت : ويؤيد أنّ جبريل تلقّفه سماعا من اللّه تعالى : ما أخرجه الطّبرانيّ من حديث النّواس بن سمعان مرفوعا : « إذا تكلّم اللّه بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف اللّه ، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخرّوا سجّدا ، فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل ، فيكلّمه اللّه من وحيه بما أراد ، فينتهي به على الملائكة ، فكلّما مرّ بسماء سأله أهلها : ما ذا قال ربّنا ؟
قال : الحقّ . فينتهي به حيث أمر » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رفعه : « إذا تكلّم اللّه بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصّفوان ، فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة » . وأصل الحديث في الصحيح « 4 » .
هامش
( 1 ) قال الطبري في صريح السنة ص 25 : « إنه - أي القرآن - كلام اللّه وتنزيله ، إذ كان من معاني توحيده ، فالصواب من القول في ذلك عندنا :
انه كلام اللّه - عز وجل - غير مخلوق ، كيف كتب ، وحيث تلي ، وفي أي موضع قرئ ، في السماء وجد ، أو في الأرض ، حيث حفظ ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبا ، أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسوما ، في حجر نقش ، أو في ورق خطّ ، أو في القلب حفظ ، أو باللسان لفظ .
فمن قال غير ذلك ، أو ادّعى أن قرآنا في الأرض ، أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ، ونكتبه في مصاحفنا ، أو اعتقد ذلك بقلبه ، أو أضمره في نفسه ، أو قاله بلسانه داينا ، فهو كافر حلال الدم والمال ، بريء من اللّه ، واللّه منه بريء » ا ه .
( 2 ) في الأسماء والصفات 1 / 362 .
( 3 ) المرشد الوجيز ص 14 .
( 4 ) رواه البخاري ( 4800 ) ، وفي خلق أفعال العباد ( 465 ) ص 151 وأبو داود ( 4738 ) ، واللالكائي في أصول الاعتقاد ، حديث رقم ( 547 - 548 - 549 ) 2 / 333 - 335 ، وعبد اللّه في السنة ص 71 ، وابن خزيمة في التوحيد ص 145 - 147 ، والبيهقي في الأسماء والصفات 1 / 326 ، والأصبهاني في الحجة -