العلماء وعلى ألسنتهم ، حتى كاد يكون إجماعا ، وقد رأيت بعض فضلاء العصر أنكر ذلك ، وقال : إنّه لا دليل عليه ، بل الصواب : أنّها نزلت مفرقة كالقرآن .
وأقول : الصواب الأوّل ، ومن الأدلة على ذلك آية الفرقان السابقة .
أخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قالت اليهود : يا أبا القاسم ، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى ، فنزلت .
وأخرجه من وجه آخر عنه بلفظ : « قال المشركون » ، وأخرج نحوه عن قتادة والسدّيّ « 1 » .
فإن قلت : ليس في القرآن التصريح بذلك ، وإنما على تقدير ثبوته ، قول الكفار ؟
قلت : سكوته تعالى عن الردّ عليهم في ذلك ، وعدوله إلى بيان حكمته دليل على صحّته ، ولو كانت الكتب كلّها نزلت مفرّقة لكان يكفي في الردّ عليهم أن يقول : إنّ ذلك سنة اللّه في الكتب التي أنزلها على الرسل السابقة ، كما أجاب بمثل ذلك قولهم :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] . فقال :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 20 ] . وقولهم :
أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا
[ الإسراء : 94 ] . فقال :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
[ يوسف : 109 ] . وقولهم : كيف يكون رسولا ولا همّ له إلّا النساء ؟ فقال
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
[ الرعد : 38 ] . إلى غير ذلك .
ومن الأدلة على ذلك . أيضا . قوله تعالى في إنزال التوراة على موسى يوم الصعقة :
فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ
[ الأعراف : 144 . 145 ] ،
وَأَلْقَى الْأَلْواحَ
[ الأعراف : 150 ] ،
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ
[ الأعراف : 154 ] ،
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ
[ الأعراف : 171 ] ، فهذه الآيات كلّها دالّة على إتيانه التوراة جملة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أعطي موسى التّوراة في سبعة ألواح من زبرجد ، فيها تبيان لكلّ شيء وموعظة ، فلمّا جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفا على عبادة العجل رمى بالتوراة من يده فتحطّمت ، فرفع اللّه منها ستة أسباع وبقي منها سبع « 2 » .
وأخرج من طريق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جدّه ، رفعه ، قال : « الألواح الّتي
هامش
( 1 ) انظر الدر المنثور 5 / 70 .
( 2 ) انظر الدر المنثور 3 / 121 .