الثالث : [ السر في نزوله منجما ]
قال أبو شامة « 1 » . أيضا : فإن قيل ما السرّ في نزوله منجّما ؟ وهلا نزل كسائر الكتب جملة ؟ .
قلنا : هذا سؤال قد تولّى اللّه جوابه ، فقال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
يعنون . كما أنزل على من قبله من الرسل ، فأجابهم تعالى بقوله :
كَذلِكَ
أي : أنزلناه كذلك مفرّقا
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
[ الفرقان : 32 ] أي : لنقوّي به قلبك ؛ فإنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة كان أقوى بالقلب ، وأشدّ عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه ، وتجدّد العهد به وبما معه من الرّسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل « 2 » .
وقيل « 3 » : معنى
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
أي : لحفظه ؛ فإنه عليه السّلام كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ، ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء ، فإنّه كان كاتبا قارئا ، فيمكنه حفظ الجميع « 4 » .
وقال ابن فورك « 5 » : قيل : أنزلت التوراة جملة ؛ لأنّها نزلت على نبيّ يكتب ويقرأ ، وهو موسى . وأنزل اللّه القرآن مفرّقا لأنّه أنزل غير مكتوب على نبي أمّي .
وقال « 6 » غيره : إنما لم ينزل جملة واحدة لأنّ منه الناسخ والمنسوخ ، ولا يتأتّى ذلك إلّا فيما أنزل مفرّقا ، ومنه ما هو جواب لسؤال وما هو إنكار على قول قيل ، أو فعل فعل ، وقد تقدّم ذلك في قول ابن عباس : ونزّله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم ، وفسّر به قوله :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ
[ الفرقان : 33 ] . أخرجه عنه ابن أبي حاتم .
فالحاصل أنّ الآية تضمّنت حكمتين لإنزاله مفرّقا .
تذنيب :
ما تقدّم في كلام هؤلاء . من أنّ سائر الكتب أنزلت جملة . هو مشهور في كلام
هامش
( 1 ) المرشد الوجيز ص 27 - 28 ، وانظر البرهان 1 / 231 .
( 2 ) رواه البخاري ( 6 - 1902 - 3220 - 3554 - 4997 ) ، ومسلم ( 2308 ) ، والترمذي في الشمائل ( 346 ) ، والنسائي 4 / 125 ، وأحمد 1 / 221 - 288 - 326 - 363 ، وابن أبي الدنيا في المكارم ص 252 - 253 ( 385 - 386 ) ، وابن حبان ( 3440 - 6170 ) ، وابن سعد 1 / 368 - 369 ، وابن خزيمة ( 1889 ) ، والبيهقي 4 / 305 والبغوي في الشمائل ( 359 ) ، وفي شرح السنة ( 3687 ) .
( 3 ) انظر البرهان 1 / 231 .
( 4 ) انظر الدر المنثور 5 / 70 ، وتفسير أبي السعود 6 / 216 .
( 5 ) انظر البرهان 1 / 231 ، وتفسير الخطيب الشربيني 2 / 660 .
( 6 ) انظر السراج المنير 2 / 660 ، والبرهان 1 / 231 .