جاء هنا بيان إتيانهم هذه الكتب مما يشير إلى ارتباط هذه السور بعضها ببعض ، في بيان مآل العلم كله ومصير الإنسان نتيجة عمله .
وتقدم للشيخ مباحث إتيان الكتب باليمين وبالشمال ومن وراء الظهر ، عند كل من قوله تعالى :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
في سورة الإسراء - إلى قوله تعالى -
فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ
[ الإسراء : 71 ] ، وبين أحوال الفريقين أهل اليمين وأهل الشمال ، وأحال على أول السورة .
وقوله :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
[ الكهف : 49 ] ، في سورة الكهف وهنا ذكر سبحانه وتعالى حالة من حالات كلا الفريقين .
فالأولى : يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض فقط دون مناقشة ، كما في حديث عائشة رضي اللّه عنها « من نوقش الحساب عذّب » « 1 » .
والثانية : يدعو على نفسه بالثبور وهو الهلاك ، ومنه : المواطأة على الشيء سميت مثابرة ، لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه .
وهنا مقابلة عجيبة بالغة الأهمية ، وذلك بين سرورين أحدهما آجل والآخر عاجل .
فالأول في حق من أوتي كتابه بيمينه ، أنه ينقلب إلى أهله مسرورا ينادي فرحا
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
[ الحاقة : 19 ] ، وأهله آنذاك في الجنة من الحور والولدان ، ومن أقاربه الذين دخلوا الجنة ، كما في قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
[ الرعد : 23 ] .
وقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
[ الطور : 21 ] ، فهم وإن كانوا ملحقين بهم إلا أنهم من أهلهم ، وهذا من تمام النعمة أن يعلم بها من يعرفه من أهله ، وهذا مما يزيد سرور العبد ، وهو السرور الدائم .
والآخر سرور عاجل ، وهو لمن أعطوا كتبهم بشمالهم ، لأنهم كانوا في أملهم
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الرابع .