وساق الحديث أيضا « إن الشيطان يجري » « 1 » إلى آخره .
ومراده بالمجاز ما قدمنا من إطلاق المحل وإرادة الحال .
وذكر ابن كثير عن ابن عباس ومجاهد أن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، وإذا ذكر اللّه خنس « 2 » .
والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أن الصدر ظرف للوسواس ، وأنه يوقع الوسوسة في القلب . على ما قاله ابن عباس ومجاهد رحمهم اللّه .
وفي لفظ الناس هنا المضاف إليه الصدور : اختلاف في المراد منه ، فقيل :
الإنس الظاهر الاستعمال .
وقيل : الثقلان : الإنس والجن .
وإن إطلاق الناس على الجنس مسموع ، كما حكاه القرطبي . قال عن بعض العرب :
إنه كان يحدث فجاء قوم من الجن فوقفوا ، فقيل : من أنتم : فقالوا : ناس من الجن ، وهذا معنى قول الفراء .
واستدل صاحب هذا القول بطريق القياس باستعمال لفظي رجال ونفر في قوله تعالى :
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ
[ الجن : 6 ] ، وقوله :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ
[ الأحقاف : 29 ] .
وعليه يكون الوسواس المستعاذ منه يوسوس في صدور الجن والإنس .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الوجه : ولكنه رده وضعفه ، لأن لفظ الناس أظهر وأشهر في الإنس ، وهو المعروف في استعمال القرآن ، ولأنه على هذا يكون قسم الشيء قسما منه ، لأنه يجعل الناس قسيم الجن ، ويجعل الجن نوعا من الناس ا ه . ملخصا .
وعلى كل ، فإن منهج الأضواء أن ما كان محتملا وكان أكثر استعمالات القرآن لأحد الاحتمالين ، فإن كثرة استعماله إياه تكون مرجحا ، وجميع استعمالات القرآن للفظ الناس إنما هو في خصوص الإنس فقط ، ولم تستعمل ولا مرة واحدة في حق
هامش
( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الأول .
( 2 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 30 / 228 .