تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وقد تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، شيء من هذا البيان عند هذه الآية ، وبين أن هذا التنبيه قد وقع من نبي اللّه نوح إلى قومه ، حينما ازدروا ضعفة المؤمنين في قوله تعالى :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
- إلى قوله -
وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ
[ هود : 27 - 29 ] . وقد دلت هذه الآية وأمثالها ، على صدق مقالة هرقل حينما سأل أبا سفيان ، عن أتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم : أهم سادة القوم أم ضعفاؤهم ؟ فقال : بل ضعفاؤهم . فقال : هكذا هم أتباع الرسل . وقال العلماء في ذلك : لأنهم أقرب إلى الفطرة ، وأبعد عن السلطان والجاه ، فليس لديهم حرص على منصب يضيع ، ولا جاه يهدر ، ويجدون في الدين عزا ورفعة ، وهكذا كان بلال وصهيب وعمار ، وهكذا هو ابن أم مكتوم رضي اللّه عنهم . قوله تعالى :
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 )
[ 5 - 7 ] . بيان لموقفه صلى اللّه عليه وسلم من جميع الأمة ، وحرصه على إسلام الجميع حتى من أعرض واستغنى ، شفقة بهم ورحمة ، كما بين تعالى حاله صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
[ التوبة : 128 ] وكقوله :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً
[ الكهف : 6 ] . وقوله
وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
، بيان أنه صلى اللّه عليه وسلم ليس عليه ممن لا يتزكى ، وقد صرح تعالى بذلك في قوله :
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ
[ الرعد : 7 ] وقوله :
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
[ الشورى : 48 ] ، وقوله :
* لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
[ البقرة : 272 ] ، ومثل ذلك . وقد جمع الأمرين من الجانبين في قوله تعالى عن نوح عليه السلام
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
[ الشعراء : 114 - 115 ] . قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 )
[ 11 - 16 ] .