تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
كقوله تعالى :
قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[ البقرة : 30 ] الآية . ومعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها ولا ممن يسفك الدماء ، وكقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ
[ فاطر : 39 ] الآية ، وقوله :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
[ الأنعام : 165 ] الآية ، وقوله :
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ
[ النمل : 62 ] الآية . ونحو ذلك من الآيات . ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم ، وأن اللّه أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء ، فقالوا ما قالوا . وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية ، وبخلافة ذريته أعم من ذلك ، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر . تنبيه : قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة ؛ يسمع له ويطاع ؛ لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة ، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصمّ حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال : ودليلنا قول اللّه تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[ البقرة : 30 ] ، وقوله تعالى :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
[ ص : 26 ] ، وقال :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
[ النور : 55 ] ، أي : يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي . وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بنى ساعدة في التعيين ، حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك . وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ، ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش « 1 » . فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها . ولقال قائل : إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم . فما لتنازعكم وجه ، ولا فائدة في أمر ليس بواجب ، ثم إن الصديق رضي اللّه عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ، ولم يقل له أحد : هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك . فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد للّه رب العالمين . انتهى من القرطبي . قال مقيده [ عفا اللّه عنه ] : من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام اللّه في أرضه . ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبي بكر الأصم المعتزلي ، الذي تقدم في كلام القرطبي ، وكضرار ، وهشام القرطبي ونحوهم .
هامش
( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في فضائل أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم حديث 3667 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 47 | الشنقيطي