قال بعض العلماء : ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد اللّه بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له ، كما قاله ابن قدامة في المغني .
ومن العلماء من يقول : تنعقد له الإمامة ببيعة واحد ، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة ، ومال إليه القرطبي ، وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع وقيل :
ببيعة أربعة . وقيل غير ذلك .
هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإمامة الكبرى . ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية - رحمه اللّه - في « المنهاج » أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته ، ويقدر به على تنفيذ أحكام الإمامة ؛ لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإمام .
واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط :
الأول : أن يكون قرشيا وقريش أولاد فهر بن مالك . وقيل : أولاد النضر بن كنانة .
فالفهري قرشي بلا نزاع . ومن كان من أولاد مالك بن النضر أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف . هل هو قرشي أو لا ؟ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام : الأول : أن يكون من صميم قريش لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الأئمّة من قريش » « 1 » . وقد اختلف في هذا .
قال مقيده [ عفا اللّه عنه ] : الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيا ضعيف . وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم . وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين .
وحكى غير واحد عليه الإجماع ، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ، ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال : « إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته » . فذكر الحديث وفيه : « فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل » « 2 » .
ومعلوم أن معاذا غير قرشي وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور . فاشتراط كونه قرشيا هو الحق ، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن
هامش
( 1 ) أخرجه عن أنس أحمد في المسند 3 / 129 ، 183 . وأخرجه عن عبد اللّه بن عمر : البخاري في المناقب حديث 3501 ، والأحكام حديث 7139 ، ومسلم في الإمارة حديث 4 .
( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 18 .