مع التعدّد فاقتصروا على الواحدة ؛ لأنّ المرأة شبيهة باليتيم ، لضعف كل واحد منهما وعدم قدرته على المدافعة عن حقّه فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها .
وقال بعض العلماء : كانوا يتحرّجون من ولاية اليتيم ولا يتحرّجون من الزنى فقيل لهم في الآية : إن خفتم الذنب في مال اليتيم فخافوا ذنب الزنا ، فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولا تقربوا الزنا . وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر واللّه تعالى أعلم .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أيضا : أنّ من كان في حجره يتيمة لا يجوز له نكاحها إلا بتوفيته حقوقها كاملة ، وأنّه يجوز نكاح أربع ويحرم الزيادة عليها ، كما دلّ على ذلك أيضا إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف الضالّ ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لغيلان بن سلمة : « اختر منهنّ أربعا وفارق سائرهنّ » « 1 » . وكذا قال للحارث بن قيس الأسديّ « 2 » وأنّه مع خشية عدم العدل لا يجوز نكاح غير واحدة والخوف في الآية . قال بعض العلماء : معناه الخشية ، وقال بعض العلماء : معناه العلم . أي : وإن علمتم ألّا تقسطوا - الآية . ومن إطلاق الخوف بمعنى العلم . قول أبي محجن الثقفي :
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة * تروي عظامي في الممات عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فإنّني * أخاف إذا ما متّ ألّا أذوقها
فقوله أخاف : يعني أعلم .
تنبيه : عبّر تعالى عن النساء في هذه الآية « بما » الّتي هي لغير العاقل في قوله :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ
[ النساء : 3 ] ولم يقل من طاب ؛ لأنّها هنا أريد بها الصفات لا الذّوات . أي : ما طاب لكم من بكر أو ثيّب ، أو ما طاب لكم لكونه حلالا ، وإذا كان المراد الوصف عبّر عن العاقل « بما » كقولك ما زيد في الاستفهام تعني أفاضل ؟
وقال بعض العلماء : عبّر عنهنّ « بما » إشارة إلى نقصانهنّ وشبههنّ بما لا يعقل حيث يؤخذ بالعوض واللّه تعالى أعلم .
قوله تعالى :
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 )
[ 7 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه عن ابن عمر : الدارقطني في النكاح حديث ( 104 ) 3 / 271 ، 272 ، والبيهقي في النكاح 7 / 183 .
( 2 ) أخرجه عن قيس بن الحارث ، أبو داود في الطلاق حديث 2241 و 2242 ، وابن ماجة في النكاح حديث 1952 ، والدارقطني في النكاح حديث ( 100 ) 3 / 270 ، 271 ، والبيهقي في النكاح 7 / 183 .