وما يروى عن ابن عباس ، رضي اللّه عنهما ، من أنه قال : للبنتين النصف ؛ لأن اللّه تعالى ، قال :
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ
[ النساء : 11 ] فصرّح بأنّ الثلثين إنّما هما لما فوق الاثنتين فيه أمور ، الأوّل : أنّه مردود بمثله ؛ لأنّ اللّه قال أيضا :
وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
[ النساء : 11 ] فصرّح بأنّ النصف للواحدة جاعلا كونها واحدة شرطا معلّقا عليه فرض النصف .
وقد تقرّر في الأصول أنّ المفاهيم إذا تعارضت قدّم الأقوى منها ، ومعلوم أنّ مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف ؛ لأنّ مفهوم الشرط لم يقدّم عليه من المفاهيم ، إلّا ما قال فيه بعض العلماء : إنّه منطوق لا مفهوم وهو النفي والإثبات ، وإنّما من صيغ الحصر والغاية ، وغير هذا يقدّم عليه مفهوم الشرط قال في مراقي السعود مبينا مراتب مفهوم المخالفة :
أعلاه لا يرشد إلّا العلما * فما لمنطوق بضعف انتمى
فالشرط فالوصف الّذي يناسب * فمطلق الوصف الذي يقارب
فعدد ثمة تقديم يلي * وهو حجة على النهج الجلي
وقال صاحب جمع الجوامع ما نصه : مسألة الغاية قيل : منطوق والحق مفهوم يتلوه الشرط ، فالصفة المناسبة ، فمطلق الصفة غير العدد ، فالعدد ، فتقديم المعمول إلخ ، وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله :
وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
[ النساء : 11 ] أقوى من مفهوم الظرف في قوله :
فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
[ النساء : 11 ] الثاني : دلالة الآيات المتقدّمة على أنّ للبنتين الثلثين ، الثالث : تصريح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بذلك في حديث جابر المذكور آنفا . الرابع : أنّه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك .
قال الألوسي في تفسيره ما نصّه : وفي شرح الينبوع نقلا عن الشريف شمس الدين الأرموني أنّه قال في شرح فرائض الوسيط ، صحّ رجوع ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما عن ذلك فصار إجماعا . ا ه . منه بلفظه .
تنبيهان الأول : ما ذكره بعض العلماء وجزم به الألوسي في تفسيره من أنّ المفهوم في قوله :
وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
مفهوم عدد غلط . والتحقيق هو ما ذكرنا من أنّه مفهوم شرط ، وهو أقوى من مفهوم العدد بدرجات كما رأيت فيما تقدّم . قال في نشر البنود على مراقي السعود في شرح قوله :
وهي ظرف علّة وعدد * ومنه شرط غاية تعتمد