تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
الطلاق ، وهو تصريح من النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن الطهر هو العدة ، وتدل له التاء في
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ البقرة : 228 ] كما تقدم ، واستدل من يقول : بأن القروء الحيضات بكتاب وسنة أيضا ، أما الكتاب فقوله تعالى :
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ
[ الطلاق : 4 ] ، فإنه رتب العدة بالأشهر على عدم الحيض ، فدل على أن أصل العدة بالحيض ، وأن الأشهر بدل من الحيضات عند عدمها ، وأما السنة فحديث اعتداد الأمة بحيضتين وحديث « دعي الصلاة أيام أقرائك » « 1 » ، وسترى تفصيل هذه المسألة وأدلة الفريقين في سورة البقرة إن شاء اللّه . وقد ذكرنا أن كونها الأطهار أرجح دليلا في نظرنا ، لأن آيتها أصرح وحديثها المصرح بها أصحّ . ومثال المسألة الثالثة من المسائل الثلاث المذكورة بياننا أن نائب الفاعل « ربّيّون » في قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ
[ آل عمران : 146 ] على قراءة البناء للمفعول بقوله تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ] ونحوها من الآيات ، وبيانه أننا لو قلنا : إن نائب الفاعل ضمير النبي لزم على ذلك قتل كثير من الأنبياء في ميدان الحرب ، كما تدل عليه صيغة « كأيّن » ، وتصريح اللّه تعالى بأنه كتب الغلبة لنفسه ولرسله ينفى ذلك نفيا لا خفاء به ، لا سيما وقد قال تعالى :
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
[ الأنعام : 34 ] فإن قوله تعالى :
وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
صريح في أنه لا مبدل لكون الرسل غالبين ؛ لأن غلبتهم لأعدائهم هي مضمون كلمة
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ] ، فلا شك أنها من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها كما ذكره القرطبي وغير واحد ، ونفى عن المنصور أن يكون مغلوبا نفيا باتا بقوله :
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ
[ آل عمران : 160 ] . وقد أوضح تعالى أن المقتول من المتقاتلين ليس غالبا في قوله :
وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ
[ النساء : 74 ] الآية - حيث جعل الغالب قسما مقابلا للمقتول ، ومعلوم ضرورة من اللسان الذي نزل به القرآن المقتول من المتقاتلين ليس بغالب ، فهذا يبين بإيضاح أن نائب الفاعل « ربّيّون » ، ويستشهد له بقراءة « قتل » بالتشديد ؛ لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يدل على وقوع القتل على الرّبّيين ، ولأجل هذه القراءة رجح الزمخشري وابن جني والبيضاوي والألوسي وغيرهم أن نائب الفاعل « ربّيّون » ، وقد قدمنا أنا لا نعتمد في البيان على القراءة الشاذة ، وإنما نذكرها استشهادا للبيان بقراءة سبعية كما هنا ، فيقول
هامش
- حديث 2019 . ( 1 ) أخرجه عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده : أبو داود في الطهارة حديث 297 ، والترمذي في الطهارة حديث 126 و 127 ، وابن ماجة في الطهارة حديث 625 ، وأخرجه عن عائشة : البخاري في الوضوء حديث 228 ، ومسلم في الحيض حديث 62 و 65 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 18 | الشنقيطي