يخالفنا فيها غيرنا ، ويدعي أن مذهبه المخالف لنا يدل عليه قرآن أيضا ، فإنا نبين بالسنة الصحيحة صحة بياننا وبطلان بيانه ، فيكون استدلالنا بكتاب وسنة ، فإن استدل من خالفنا بسنة أيضا مع القرآن الذي استدل به ، فإننا نبين رجحان ما يظهر لنا أنه الراجح ، وكذلك إذا استدل مخالفنا بقرآن ولم يقم دليل من سنة شاهدا لنا ولا له ، فإنا نبين وجه رجحان بياننا على بيانه ، مثال الأولى من هذه المسائل الثلاث قولنا إن قراءة :
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
[ المائدة : 6 ] بالخفض ، المفهمة مسح الرجلين في الوضوء ، تبينها قراءة
وَأَرْجُلَكُمْ
بالنصب الصريحة في الغسل ، فهي مبينة وجوب غسل الرجلين في الوضوء ، فيفهم منها أن قراءة الخفض لأجل المجاورة للمخفوض أو لغير ذلك من المعاني ، كما ستراه إن شاء اللّه مبينا في المائدة . فيقول الشيعي القائل بمسح الرجلين في الوضوء : بل قراءة الخفض صريحة في المسح على الرجلين ، فهي مبينة أن قراءة النصب من العطف على المحل ؛ لأن المجرور الذي هو « برؤوسكم » في محل نصب ، فنقول : السنة الصحيحة تدل على صحة بياننا وبطلان بيانك ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ويل للأعقاب من النّار » « 1 » وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المصرحة بوجوب غسل الرجلين في الوضوء . ولنا أيضا أن نقول : لو سلمنا أن قراءة
« وَأَرْجُلَكُمْ »
بالخفض يراد بها المسح ، فلا يكون ذلك المسح إلا على خف ؛ لأن من أنزل عليه القرآن صلّى اللّه عليه وسلم قيل له :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] ولم يمسح صلّى اللّه عليه وسلم على رجليه في الوضوء إلا على خفين ، فتكون قراءة النصب مبينة لوجوب غسلهما ، وقراءة الخفض مبينة لجواز المسح على الخفين ، وسترى تحقيق هذه المسألة إن شاء اللّه في محلها من سورة المائدة .
ومثال المسألة الثانية من المسائل الثلاث المذكورة قولنا : إن الأظهر في القروء في قوله تعالى :
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ البقرة : 228 ] أنها الأطهار ، بدليل قوله تعالى :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
[ الطلاق : 1 ] والزمن المأمور بالطلاق فيه زمن الطهر لا زمن الحيض ، فدل على أن العدة بالطهر ، وتدل له السنة الصحيحة كقوله صلّى اللّه عليه وسلم في حديث ابن عمر : « فتلك العدّة الّتي أمر اللّه أن يطلّق لها النّساء » « 2 » ، والإشارة في قوله « فتلك العدة » لزمن الطهر الواقع فيه
هامش
( 1 ) أخرجه عن عبد اللّه بن عمرو : البخاري في العلم حديث 60 و 96 ، ومسلم في الطهارة حديث 26 و 27 ، وأبو داود في الطهارة حديث 97 ، والنسائي في الطهارة باب إيجاب غسل الرجلين ، وابن ماجة في الطهارة حديث 450 . وأخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الوضوء حديث 165 ، ومسلم في الطهارة حديث 28 و 29 و 30 ، والترمذي في الطهارة حديث 41 ، والنسائي في الطهارة باب إيجاب غسل الرجلين ، وابن ماجة في الطهارة حديث 453 . وأخرجه عن عائشة :
مسلم في الطهارة حديث 25 ، وابن ماجة في الطهارة حديث 451 .
( 2 ) أخرجه : البخاري في الطلاق حديث 5251 ، ومسلم في الطلاق حديث 1 و 2 و 3 ، وأبو داود في الطلاق حديث 2179 ، والنسائي في الطلاق ، باب وقت الطلاق للعدة ، وابن ماجة في الطلاق -