وقال تعالى :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
إلى قوله
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً
[ النساء : 88 - 89 ] .
قوله تعالى :
لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
[ 3 ] .
الأرحام تستعمل في القرآن لعموم القرابة ، كقوله تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ
[ الأنفال : 75 ] ، وقوله تعالى :
يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
أي بتقطع الأنساب بينهم ، كما بينه تعالى بقوله :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
( 101 ) [ المؤمنون : 101 ] .
وقد بين تعالى نتيجة هذا الفصل بينهم يوم القيامة في قوله تعالى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) [ عبس : 34 - 37 ] ، وقوله في موضع آخر :
وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ( 12 ) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
[ المعارج : 12 - 13 ] ، فعمت جميع الأقارب وبينت سبب الفصل بينهم ، وما يترتب عليه .
وهذه الآية خطاب للمؤمنين في ذوي أرحامهم من المشركين ، كما في قصة سبب النزول في أمر حاطب بن أبي بلتعة في إرساله الخطاب لأهل مكة قبيل الفتح بأمر التجهز لهم .
ومفهوم الوصف في أول السياق عدوي وعدوّكم ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يدل بمفهوم المخالفة أن أولى الأرحام من المؤمنين قد لا يفصل بينهم يوم القيامة .
ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الطور : 21 ] ، وقوله تعالى في دعاء الملائكة من حملة العرش للمؤمنين :
رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
[ غافر : 8 ] .
وهذه الآية بيان واضح في أن روابط الدين أقوى وألزم من روابط النسب .
وهذا المعنى بالذات تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى عليه ، الكلام عليه عند قوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[ الإسراء : 9 ] والآية الآتية بيان واضح