تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الإيمان ، لأن اللّه ناداهم بوصف الإيمان مع قوله :
وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
فلم يخرجهم بضلالهم عن عموم إيمانهم ، ويشهد لهذا أن الضلال هنا عن سواء السبيل لا مطلق السبيل . قوله تعالى :
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ
[ 2 ] . يثقفوكم : أي يدركوكم ، وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله ، والرمح المثقف المقوم . قال الراغب : ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافة ، قال تعالى :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
[ البقرة : 191 ] ، وقال
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ
[ الأنفال : 57 ] اه . فهذه نصوص القرآن في أن الثقافة بمعنى الإدراك ، وقوله تعالى :
إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً
الآية ، نص على أن العداوة وبسط اليد واللسان بالسوء ، يكون بعد أن يثقفوهم مع أن العداء سابق بإخراجهم إياهم من ديارهم ، فيكون هذا من باب التهييج وشدة التحذير ، وأن الذي يكون بعد الشرط هو بسط الأيدي بالسوء لأنهم الآن لا يقدرون عليهم بسبب الهجرة ، ومن أدلة القرآن على وجود العداوة بالفعل لدى عموم من دون المؤمنين في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
[ آل عمران : 118 ] فقوله : من دونكم يشمل المشركين والمنافقين وأهل الكتاب ، وقوله :
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ
أي في الحاضر ، وقوله :
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
لم يتوقف على الشرط المذكور في إن يثقفوكم ، فهم أعداء ، وقد بدت منهم البغضاء قولا وفعلا . وعلى هذا تكون الآية إعلان المقاطعة بين المؤمنين ، ومن دونهم وقوله : وودوا لو تكفرون ، قد بين تعالى سبب ذلك بأنه الحسد كما في قوله تعالى :
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
[ البقرة : 109 ] .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 91 | الشنقيطي