صاحب يوسف :
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
[ يوسف : 42 ] .
ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير والتذكر كحقيقة أي معنى من المعاني ، وأنها كلها من اللّه
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ النساء : 78 ] ،
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[ التوبة : 51 ] فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من اللّه كما في قوله تعالى :
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
[ البقرة :
102 ] ، ثم قال :
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
[ البقرة : 102 ] فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه السلام
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
[ الشعراء : 80 ] تأدبا في الخطاب مع اللّه تعالى ، ولكن هذا المقام مقام إخبار من اللّه عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم ، فأوقع عليهم النسيان لأنفسهم مجازاة لهم على أعمالهم ، فكان نسبته إلى اللّه وبإخبار من اللّه عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة : نسوا اللّه فنسيهم .
تنبيهان
الأول : جاء في مثل هذا السياق سواء بسواء قوله تعالى :
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
[ الجاثية : 34 ] .
وقوله :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ
[ السجدة : 14 ] .
وقوله :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التوبة : 67 ] ، وفي هذا نسبة النسيان إلى اللّه تعالى فوقع الإشكال مع قوله تعالى :
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
( 64 ) [ مريم : 64 ] وقوله :
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
[ طه : 52 ] .
وقد أجاب الشيخ - رحمة اللّه عليه - عن ذلك في دفع إيهام الاضطراب ، بأن النسيان المثبت بمعنى الترك كما تقدم ، والمنفي عنه تعالى : هو الذي بمعنى السهو ، لأنه محال على اللّه تعالى .
التنبيه الثاني
مما نص عليه الشيخ - رحمة اللّه تعالى عليه - في مقدمة الأضواء ، أن من أنواع البيان أن يوجد في الآية اختلاف للعلماء وتوجد فيها قرينة دالة على المعنى المراد ، وهو موجود هنا في هذه المسألة وهو قوله تعالى :
الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا