أنساهم اللّه أنفسهم ؟ وهذه مقتطفات من أقوال المفسرين في هذا المقام لزيادة البيان :
قال ابن كثير رحمه اللّه : لا تنسوا ذكر اللّه تعالى فينسيكم العمل الصالح ، فإن الجزاء من جنس العمل .
وقال القرطبي : نسوا اللّه أي تركوا أمره ، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيرا .
وقال أبو حيان : الذين نسوا اللّه هم الكفار تركوا عبادة اللّه ، وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى فأنساهم أنفسهم حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب ، وهذا من المجازات على الذنب بالذنب . إلخ .
وقال ابن جرير : تركوا أداء حق اللّه الذي أوجبه عليهم ، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل .
أما الزمخشري والفخر الرازي ، فقد أدخلا في هذا المعنى مبحثا كلاميا حيث قالا في معنى
نَسُوا اللَّهَ
[ الحشر : 19 ] كما قال الجمهور ، أما في معنى
فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
[ الحشر : 19 ] فذكرا وجهين . الأول : كالجمهور ، والثاني : بمعنى ، أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم كقوله تعالى :
لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
( 43 ) [ إبراهيم : 43 ] ، وقوله :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
[ الحج : 2 ] اه .
وهذا الوجه الثاني لا يسلم لهما ، لأن ما ذهبا إليه عام في جميع الخلائق يوم القيامة ، وليس خاصا بمن نسي اللّه كما قال تعالى في نفس الآية التي استدلا بها
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ،
فهو عام في جميع الناس .
وقوله :
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
[ الحج : 2 ] . والذهول أخو النسيان ، وهو هنا عام في كل مرضعة
وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
[ الحج :
2 ] وهو أيضا عام ، وذلك من شدة الهول يوم القيامة ، ولعل الحامل لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه ، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى اللّه ، وفيه شبهة اعتزال كما لا يخفى .
ولوجود إسناد الإنساء إلى الشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى :
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ
[ الكهف : 63 ] ، وكما في قوله تعالى :
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 68 ) [ الأنعام : 68 ] ، وقوله : عن