للصلاة ، فصلّى ثم خطب الناس وقرأ قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
[ النساء : 1 ] إلى آخر الآية ، وقرأ الآية التي في سورة الحشر :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
[ الحشر : 18 ] الآية ، تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره حتى قال : ولو بشق تمرة ، قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها ، بل قد عجزت ثم تتابع الناس إلى قوله : حتى رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتهلل وجهه كأنه مذهبة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها يعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء » « 1 » الحديث .
فكانت التقوى دافعا على سنّ سنّة حسنة تهلل لها وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما أنها تحول دون الشر ، من ذلك قوله تعالى :
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً
[ البقرة : 282 ] ، وقوله :
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ
[ البقرة : 283 ] ، فإن التقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة ، وكقوله عن مريم في طهرها وعفتها لما أتاها جبريل وتمثل لها بشرا سويا :
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
[ مريم : 18 ] .
وكما في حديث النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار ، ومنهم الرجل مع ابنة عمه لما قالت له : اتق اللّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فقام عنها وترك لها المال .
وهكذا في تصرفات العبد كما في قوله تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
[ الحج : 32 ] .
والخطاب في قوله تعالى :
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ
[ الحشر : 18 ] ، لكل نفس كما في قوله تعالى :
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
[ البقرة : 281 ] ، وقوله :
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
[ آل عمران : 25 ] .
فالنداء أولا بالتقوى لخصوص المؤمنين ، والأمر بالنظر لعموم كل نفس ، لأن المنتفع بالتقوى خصوص للمؤمنين كما أوضحه الشيخ - رحمة اللّه عليه - في أول سورة البقرة ، والنظر مطلوب من كل نفس فالخصوص للإشفاق ، والعموم للتحذير .
هامش
( 1 ) أخرجه عن جرير بن عبد اللّه البجلي : مسلم في الزكاة حديث 69 ، والنسائي في الزكاة ، باب التحريض على الصدقة .